إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 14 أبريل 2014

الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغــــزى دلالتهــا العلميـة


الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغــــزى دلالتهــا العلميـة
د. زغلول النجار
     في الثلث الأول من القرن العشرين لاحظ الفلكيون عملية توسع الكون التي دار من حولها جدل طويل حتى سلّم العلماء بحقيقتها، وقد سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى تلك الحقيقة قبل ألف وأربعمائة سنة؛ يقول الحق تبارك وتعالى: (وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) الذاريات: 47. وكانت هذه الآية الكريمة قد نزلت والعالم كله ينادي بثبات الكون، وعدم تغيره، وظل هذا الاعتقاد سائدًا حتى منتصف القرن العشرين حين أثبتت الأرصاد الفلكية حقيقة توسع الكون، وتباعد مجراته عنَّا، وعن بعضها بعضًا بمعدلات تقترب أحيانًا من سرعة الضوء (المقدرة بنحو ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية)، وقد أبدت كل من المعادلات الرياضية وقوانين الفيزياء النظرية استنتاجات الفلكيين في ذلك، وانطلاقًا من هذه الملاحظة الصحيحة نادى كل من علماء الفلك، والفيزياء الفلكية والنظرية بأننا إذا عدنا بهذا الاتساع الكوني إلى الوراء مع الزمن فلابد أن تلتقي كل صور المادة والطاقة الموجودة في الكون (المدرك منها وغير المدرك) وتتكدس على بعضها في جرم ابتدائي يتناهى في الصغر إلى ما يقرب الصفر أو العدم، وتنكمش في هذه النقطة أبعاد كل من المكان والزمان حتى تتلاشى (مرحلة الرتق).وهذا الجرم الابتدائي كان في حالة من الكثافة والحرارة تتوقف عندهما كل القوانين الفيزيائية المعروفة، ومن ثم فإن العقل البشري لا يكاد يتصورهما، فانفجر هذا الجرم الأولي بأمر الله تعالى في ظاهرة يسميها العلماء عملية الانفجار الكوني العظيم.
ويسميها القرآن الكريم باسم الفتق، فقد سبق القرآن الكريم كل المعارف الإنسانية بالإشارة إلى ذلك الحدث الكوني العظيم من قبل ألف وأربعمائة من السنين بقول الحق ـ تبارك وتعالى:
(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوآ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) الأنبياء: 30.
وتشير دراسات الفيزياء النظرية في أواخر القرن العشرين إلى أن جرمًا بمواصفات الجرم الابتدائي للكون عندما ينفجر يتحول إلى غلالة من الدخان الذي تخلّقت منه الأرض وكل أجرام السماء، وقد سبق القرآن الكريم بألف وأربعمائة سنة كل المعارف الإنسانية وذلك بإشارته إلى مرحلة الدخان في قول الحق ـ تبارك وتعالى:
(قـُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَـالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهـَا وَقَـدَّرَ فِيهـَآ أَقْـوَاتَهـَا فِى أَرْبَعـَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ وَهِىَ دُخــَانٌ فَقـَالَ لَهَـا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طـَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّــــمَآءَ الــدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) فصلت: 9 ـ 12.
وفي 8 نوفمبر سنة 1989م أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية مركبة فضائية باسم مكتشف الخلفية الإشعاعية للكون وذلك في مدار على ارتفاع ستمائة كيلومتر حول الأرض بعيدًا عن تأثير كل من السحب والملوثات في النطق الدنيا من الغلاف الغازي للأرض، وقد قام هذا القمر الصناعي بإرسال ملايين الصور والمعلومات إلى الأرض عن آثار الدخان الأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم للكون من على بعد عشرة مليارات من السنين الضوئية، وهي حالة دخانية معتمة سادت الكون قبل خلق الأرض والسماوات، فسبحان الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة قولَه الحق:
(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وِلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ) (فصلت: 11).
دخانية السماء بعد الانفجار الكوني العظيم أي بعد فتق الرتق. بعد التسليم بحقيقة توسع الكون، وبرد ذلك التوسع إلى الوراء مع الزمن حتى الوصول إلى جرم ابتدائي واحد مُتَنَاهٍ في الضآلة حجمًا إلى الصفر أو ما يقرب من العدم، ومتناه في الكثافة والحرارة إلى حد لا يكاد العقل الإنساني أن يتخيله، لتوقف كل قوانين الفيزياء المعروفة عنده (مرحلة الرتق)، وبعد التسليم بانفجار هذا الجرم الابتدائي (مرحلة الفتق) في ظاهرة كونية يسميها العلماء الانفجار الكوني الكبير ـ بدأ كل من علماء الفلك والفيزياء الفلكية والنظرية في تحليل مسار الأحداث الكونية بعد هذا الحدث الكوني الرهيب، ومع إيماننا بأن تلك الأحداث الموغلة في تاريخ الكون تقع في صميم الغيب الذي أخبرنا به ـ تبارك وتعالى ـ عند قوله ـ عز من قائل:
(مَآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا)الكهف: 51
إلا أن السنن التي فطر الله ـ تعالى ـ الكون عليها لها من الاطّراد، والاستمرار، والثبات، ما يمكن أن يعين الإنسان على الوصول إلى شيء من التصور الصحيح لتلك الأحداث الغيبية الموغلة في أبعاد التاريخ الكوني على الرغم من حس الإنسان المحدود، وقدرات عقله المحدودة، ومحدودية كل من زمانه ومكانه.
كذلك فإن التقنيات المتطورة من مثل الصواريخ العابرة لمسافات كبيرة في السماء، والأقمار الصناعية التي تطلقها تلك الصواريخ، والأجهزة القياسية والتسجيلية الدقيقة التي تحملها قد ساعدت على الوصول إلى تصوير الدخان الكوني الأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم، والذي وجدت بقايا أثرية له على أطراف الجزء المدرك من الكون، وعلى أبعاد تصل إلى عشرة مليارات من السنين الضوئية لتثبت دقة التعبير القرآني بلفظة دخان التي وصف بها حالة الكون قبل خلق السماوات والأرض.
الفيزياء الفلكية ودخانية الكون
بعد الانفجار العظيم تحول الكون إلى غلالة من الدخان الذي خلقت منه الأرض والسماوات تشير الحسابات الفيزيائية إلى أن حجم الكون قبل الانفجار العظيم كاد يقترب من الصفر، وكان في حالة غريبة من تكدس كل من المادة والطاقة، وتلاشي كل من المكان والزمان، تتوقف عندها كل قوانين الفيزياء المعروفة (مرحلة الرتق) ثم انفجر هذا الجرم الابتدائي الأولي في ظاهرة كبرى تعرف بظاهرة الانفجار الكوني العظيم (مرحلة الفتق) وانفجاره تحول إلى كرة من الإشعاع والجسيمات الأولية أخذت في التمدد والتبرّد بسرعات فائقة حتى تحولت إلى غلالة من الدخان. فبعد ثانية واحدة من واقعة الانفجار العظيم تقدر الحسابات الفيزيائية انخفاض درجة حرارة الكون من تريليونات الدرجات المطلقة إلى عشرة بلايين من الدرجات المطلقة (ستيفن و. هوكنج 1988م).
وعندها تحول الكون إلى غلالة من الدخان المكون من الفوتونات والإلكترونات والنيوترينوات وأضداد هذه الجسيمات مع قليل من البروتونات والنيوترونات، ولولا استمرار الكون في التوسع والتبرد بمعدلات منضبطة بدقة فائقة لأفنت الجسيمات الأولية للمادة وأضدادها بعضها بعضًا وانتهى الكون، ولكنه حفظ بحفظ الله الذي أتقن كل شيء خلقه.
والنيوترونات يمكن أن توجد في الكون على هيئة ما يسمى باسم المادة الداكنة وينادي (آلان جوث) بأن التمدد عند بدء الانفجار العظيم كان بمعدلات فائقة التصور أدت إلى زيادة قطر الكون بمعدل 2910 مرة في جزء من الثانية.
وتشير حسابات الفيزياء النظرية إلى الاستمرار في انخفاض درجة حرارة الكون إلى بليون (ألف مليون) درجة مطلقة بعد ذلك بقليل، وعند تلك الدرجة اتحدت البروتونات والنيوترونات لتكون نوى ذرات الإيدروجين الثقيل أو الديوتريوم التي تحللت إلى الإيدروجين أو اتحدت مع مزيد من البروتونات والنيوترونات لتكون نوى ذرات والقليل من نوى ذرات عناصر أعلى مثل نوى ذرات الليثيوم ونوى (HeliumNuclei) الهيليوم ذرات البريليوم، ولكن بقيت النسبة الغالبة لنوى ذرات غازي الأيدروجين والهيليوم، وتشير الحسابات النظرية إلى أنه بعد ذلك بقليل توقف إنتاج كل من الهيليوم والعناصر التالية له، واستمر الكون في الاتساع والتمدد والتبرد لفترة زمنية طويلة، ومع التبرد انخفضت درجة حرارة الكون إلى آلاف قليلة من الدرجات المطلقة حين بدأت ذرات العناصر في التكون والتجمع وبدأ الدخان الكوني في التكدس على هيئة أعداد من السُّدُم الكونية الهائلة.
ومع استمرار عملية الاتساع والتبرد في الكون بدأت أجزاء من تلك السدم في التكثف على ذاتها بفعل الجاذبية وبالدوران حول نفسها بسرعات متزايدة بالتدريج حتى تخلقت بداخلها كتل من الغازات المتكثفة، ومع استمرار دوران تلك الكتل الكثيفة في داخل السدم بدأت كميات من غازي الإيدروجين والهيليوم الموجودة بداخلها في التكدس على ذاتها بمعدلات أكبر، مما أدى إلى مزيد من الارتفاع في درجات حرارتها حتى وصلت إلى الدرجات اللازمة لبدء عملية الاندماج النووي فتكونت النجوم المنتجة للضوء والحرارة.
وفي النجوم الكبيرة الكتلة استمرت عملية الاندماج النووي لتخليق العناصر الأعلى في وزنها الذري بالتدريج مثل الكربون والأوكسيجين وما يليهما حتى يتحول لب النجم بالكامل إلى الحديد فينفجر هذا على هيئة فوق المستعر وتتناثر أشلاء فوق المستعرات وما بها من عناصر ثقيلة في (Nova) النجم المستعر داخل المجرة لتتكون منها الكواكب والكويكبات، بينما يبقى منها في غازات المجرة ما يمكن أن يدخل في بناء نجم آخر ـ بإذن الله ـ وتحتوي شمسنا على نحو 2% من كتلتها من العناصر الأثقل في أوزانها الذرية من غازي الإيدروجين والهيليوم، وهما المكونان الأساسيان لها، وهذه العناصر الثقيلة لم تتكون كلها بالقطع. في داخل الشمس بل جاءت إليها من بقايا انفجار بعض من فوق المستعرات.
وعلى الرغم من تكدس كل من المادة والطاقة في أجرام السماء (مثل النجوم وتوابعها) فإن الكون المدرك يبدو لنا متجانسًا على نطاق واسع، في كل الاتجاهات، وتحده خلفية إشعاعية متساوية حيثما نظر الراصد. كذلك فإن توسع الكون لم يتجاوز بعد الحد الحرج الذي يمكن أن يؤدي إلى انهياره على ذاته، وتكدسه من جديد، مما يؤكد أنه محكوم بضوابط بالغة الدقة والأحكام، ولا يزال الكون المدرك مستمرٌّا في توسعه بعد أكثر من عشرة مليارات من السنين (هي العمر الأدنى المقدر للكون) وذلك بنفس معدل التوسع الحرج، ولو تجاوزه بجزء من مئات البلايين من المعدل الحالي للتوسع لانهار الكون على الفور.
فسبحان الذي حفظه من الانهيار!! والنظرية النسبية لا يمكنها تفسير ذلك لأن كل القوانين الفيزيائية، وكل الأبعاد المكانية والزمانية تنهار عند الجرم الابتدائي للكون قبل انفجاره (مرحلة الرتق) بكتلته، وكثافته وحرارته الفائقة، وانعدام حجمه إلى ما يقرب من الصفر.
ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرًا لخلق هذا الكون بهذا القدر من الإحكام غير كونه أمرًا من الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ الذي (إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) يس: 82.
فعلى سبيل المثال لا الحصر يذكر علماء الفيزياء أنه إذا تغيرت الشحنة الكهربائية للإلكترون قليلاً، ما استطاعت النجوم القيام بعملية الاندماج النووي، ولعجزت عن الانفجار على هيئة ما يسمى بفوق المستعر إذا تمكنت فرضًا من القيام بعملية الاندماج النووي. والمعدل المتوسط لعملية اتساع الكون لابد وأنه قد اختير بحكمة بالغة لأن معدله الحالي لا يزال قريبًا من الحد الحرج اللازم لمنع الكون من الانهيار على ذاته.
ويقرر علماء الفيزياء النظرية والفلكية أن الدخان الكوني كان خليطًا من الغازات الحارة المعتمة التي تتخللها بعض الجسيمات الأولية للمادة وأضداد المادة حتى تشهد هذه الصورة من صور الزوجية السائدة في الكون لله وحده بالتفرد بالوحدانية فوق كافة خلقه، ولا توجد كلمة تُوفي هذه الحالة حقَّها من الوصف مثل كلمة دخان، فسبحان الذي أنزلها في كتابه من قبل ألف وأربعمائة من السنين.
وقد تكونت من تلك الجسيمات الأولية للمادة في الدخان الكوني الأولي نوى ذرات غازي الإيدروجين والهيليوم، وبعد ذلك وصلت إلى الحد الذي يسمح بتكوين ذرات ثابتة لعناصر أكبر وزنًا وذلك باتحاد نوى ذرات الإيدروجين والهيليوم. وظل هذا الدخان المعتم محتويًا على ذرات العناصر التي خلق منها بعد ذلك كُلاٌّ من الأرض والسماء.
وتفيد الدراسات النظرية أن الكون في حالته الدخانية كان يتميز بقدر من التجانس مع تفاوت بسيط في كل من الكثافة ودرجات الحرارة بين منطقة وأخرى، وذلك نظرًا لبدء تحول أجزاء من ذلك الدخان بتقدير من الله تعالى إلى مناطق تتركز فيها كميات كبيرة من كل من المادة والطاقة على هيئة السدم.
ولما كانت الجاذبية في تلك المناطق تتناسب تناسبًا طرديٌّا مع كَمّ المادة والطاقة المتمركزة فيها، فقد أدى ذلك إلى مزيد من تكدس المادة والطاقة والذي بواسطته بدا تخلُّق النجوم وبقية أجرام السماء في داخل تلك السدم، وتكونت النجوم في مراحلها الأولى من العناصر الحقيقية مثل الإيدروجين والهيليوم، والتي أخذت في التحول إلى العناصر الأعلى وزنًا بالتدرج مع بدء عملية الاندماج النووي في داخل تلك النجوم حسب كتلة كل منها.
تصوير الدخان الكوني
في الثامن من نوفمبر سنة 1989م أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية مركبة باسم مكتشف الخلفية الإشعاعية للكون ارتفعت إلى مدار حول الأرض يبلغ ارتفاعه ستمائة كيلومتر فوق مستوى سطح البحر، وذلك لقياس درجة حرارة الخلفية الإشعاعية للكون، وقياس كل من الكثافة المادية والضوئية والموجات الدقيقة في الكون المدرك، بعيدًا عن تأثير كل من السحب والملوثات في النطق الدنيا من الغلاف الغازي للأرض، وقام هذا القمر الصناعي المستكشف بإرسال قدر هائل من المعلومات وملايين الصور لآثار الدخان الكوني الأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم للكون، من على بعد عشرة مليارات من السنين الضوئية، وأثبتت تلك الصور أن هذا الدخان الكوني في حالة معتمة تمامًا تمثل حالة الإظلام التي سادت الكون في مراحله الأولى. ويقدر العلماء كتلة هذا الدخان المعتم بحوالي 90% من كتلة المادة في الكون المنظور، وكتب جورج سموت ـ أحد المسؤولين عن رحلة المستكشف ـ تقريرًا نشره سنة 1992م بالنتائج المستقاة من هذا العدد الهائل من الصور الكونية كان من أهمها الحالة الدخانية المتجانسة التي سادت الوجود عقب الانفجار الكوني العظيم، وكذلك درجة الحرارة المتبقية على هيئة خلفية إشعاعية أكدت حدوث ذلك الانفجار الكبير، وكان في تلك الكشوف أبلغ الرد على النظريات الخاطئة التي حاولت ـ من منطلقات الكفر والإلحاد ـ تجاوز الخلق، والجحود بالخالق ـ سبحانه وتعالى ـ فنادت كذبًا بديمومة الكون بلا بداية ولا نهاية من مثل نظرية الكون المستمر التي سبق أن أعلنها ودافع عنها كل من هيرمان بوندي وفريد هويل في سنة 1949م، ونظرية الكون المتذبذب التي نادى بها ريتشارد تولمان من قبل، فقد كان في إثبات وجود الدخان الكوني والخلفية الإشعاعية للكون بعد إثبات توسع الكون ما يجزم بأن كوننا مخلوق له بداية، ولابد أن ستكون له في يوم من الأيام نهاية، وقد أكدت الصور التي بثتها مركبة المستكشف للخلفية الإشعاعية والتي نشرت في أبريل 1992م كل تلك الحقائق ـ انتشار مختلف صور الطاقة بالكون.
تكوين نوى المجرات من الدخان الكوني كان الجرم الابتدائي للكون مفعمًا بالمادة والطاقة المكدسة تكديسًا رهيبًا يكاد ينعدم فيه الحجم إلى الصفر، وتتلاشى فيه كل أبعاد المكان والزمان، وتتوقف كل قوانين الفيزياء المعروفة لنا كما سبق وأن أشرنا (مرحلة الرتق)، وبعد انفجار هذا الجرم الأولي وبدء الكون في التوسع، تمدد الإشعاع وظل الكون مليئًا دومًا بالطاقة الكهرومغناطيسية، على أنه كلما تمدد الكون قل تركيز الطاقة فيه، ونقصت كثافته، وانخفضت درجة حرارته. وأول صورة من صور الطاقة في الكون هي قوة الجاذبية وهي قوى كونية بمعنى أن كل جسم في الكون يخضع لقوى الجاذبية حسب كتلته أو كمية الطاقة فيه، وهي قوى جاذبة تعمل عبر مسافات طويلة، وتحفظ للجزء المدرك من الكون بناءه وأبعاده ولعلها هي المقصودة بقول الحق ـ تبارك وتعالى:
(اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا..) الرعد: 2.
وقوله ـ عز من قائل: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) الحج: 65.
وقوله ـ سبحانه وتعالى: (وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تُخْرَجُونَ) الروم: 25.
وقوله ـ تبارك اسمه: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا...) لقمان: 10.
وقوله ـ تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) فاطر: 41. ويقسم ربنا ـ تبارك وتعالى ـ وهو الغني عن القسم في مطلع سورة الطور بـ (السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) وهذا القسم القرآني جاء بالسماء المرفوعة بغير عمد مرئية.
والصورة الثانية من صور الطاقة المنتشرة في الكون هي القوى الكهربائية/المغناطيسية أو الكهرومغناطيسية وهي قوى تعمل بين الجسيمات المشحونة بالكهرباء، وهي أقوى من الجاذبية بملايين المرات بحوالي (4110 مرات)، وتتمثل في قوى التجاذب بين الجسيمات التي تحمل شحنات كهربية مختلفة (موجبة وسالبة)، كما تتمثل في قوى التنافر بين الجسيمات الحاملة لشحنات كهربية متشابهة، وتكاد هذه القوى من التجاذب والتنافر يلغي بعضها بعضًا، وعلى ذلك فإن حاصل القوى الكهرومغناطيسية في الكون يكاد يكون صِفرًا، ولكن على مستوى الجزيئات والذرات المكونة للمادة تبقى هي القوى السائدة.
والقوى الكهرومغناطيسية هي التي تضطر الإليكترونات في ذرات العناصر إلى الدوران حول النواة بنفس الصورة التي تجبر فيها قوى الجاذبية الأرض (وغيرها من كواكب المجموعة الشمسية) إلى الدوران حول الشمس، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على وحدة البناء في الكون من أدق دقائقه إلى أكبر وحداته، وهو ما يشهد للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بالوحدانية المطلقة بغير شريك ولا شبيه ولا منازع.
ويصور الفيزيائيون القوى الكهرومغناطيسية على أنها تنتج من تبادل أعداد كبيرة من جسيمات تكاد تكون معدومة الوزن تسمى بالفوتونات والقوى الثالثة في الكون هي القوى النووية القوية وهي القوى التي تمسك باللبنات الأولية للمادة في داخل كل من البروتونات والنيوترونات في نواة الذرة، وهذه القوى تصل إلى أقصى قدرتها في المستويات العادية من الطاقة، ولكنها تضعف مع ارتفاع مستويات الطاقة باستمرار. والقوة الرابعة في الكون هي القوى النووية الضعيفة
وهي القوى المسؤولة عن عملية النشاط الإشعاعي وفي الوقت الذي تضعف فيه القوى النووية القوية في المستويات العليا للطاقة، فإن كُلاٌّ من القوى النووية الضعيفة والقوى الكهرومغناطيسية تقوى في تلك المستويات العليا للطاقة. وحدة القوى في الكون تخلق إحدى النجوم من الدخان الكوني يوحد علماء الفيزياء النظرية بين كل من القوى الكهرومغناطيسية، والقوى النووية القوية والضعيفة فيما يسمى بنظرية التوحد الكبرى والتي تعتبر تمهيدًا لنظرية أكبر توحد بين كافة القوى الكونية في قوة عظمى، واحدة تشهد لله الخالق بالوحدانية المطلقة، وعن هذه القوة العظمى انبثقت القوى الأربع المعروفة في الكون: قوة الجاذبية، القوة الكهرومغناطيسية وكل من القوتين النوويتين الشديدة والضعيفة مع عملية الانفجار الكوني الكبير مباشرة (الفتق بعد الرتق). وباستثناء الجاذبية فإن القوى الكونية الأخرى تصل إلى نفس المعدل عند مستويات عالية جدٌّا من الطاقة تسمى باسم الطاقة العظمى للتوحد.
ومن هنا فإن هذه الصور الثلاث للطاقة تُعَدّ ثلاثة أوجه لقوة واحدة، لا يستبعد انضمام الجاذبية إليها، باعتبارها قوة ذات مدى طويل جدٌّا، تتحكم في أجرام الكون وفي التجمعات الكبيرة للمادة ومن ثم يمكن نظريٌّا غض الطرف عنها من قبيل التبسيط عندما يقصر التعامل على الجسيمات الأولية للمادة، أو حتى مع ذرات العناصر.
وهذه الصورة من وحدة البناء في الكون، ووحدة صور الطاقة فيه، مع شيوع الزوجية في الخلق ـ كل الخلق ـ هي شهادة الكون لخالقه ـ سبحانه وتعالى ـ بالتفرد بالوحدانية المطلقة فوق كافة خلقه بغير شبيه ولا شريك ولا منازع، وصدق الله العظيم إذ يقول: (وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون) الذاريات: 49. ويقول:(لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون)الأنبياء: 22. وسبحانه وتعالى إذ أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴿11﴾ فصلت.
 
أكثر مقال قراءة عن الإعجاز بالقرآن:
و الارض ذات الصدع


المعدل: 4.66  تصويتات: 6 
الرجاء تقييم هذا المقال:


  'طباعة  ارسال ارسال
المواضيع المرتبطة

الإعجاز بالحديثالإعجاز بالقرآن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق