إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 17 مارس 2012


"أَخْلَاقُ الْكَنِيْسَةِ"
(3/3)
"الْتَّرَفُ وَالْطَّمَعُ وَالْخِدَاعُ وَالْخِيَانَةُ فِي رِجَالِ الْكَنِيْسَةِ"
الحمد لله وحده, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, أقام العالم العلوي والسفلي على العدل والإحسان, فأمر بالعدل وندب إلى الإحسان وحرّم الظلم والبغي, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:
فهذا هو المحور الثالث والأخير من ثلاثية كشف حقيقة أخلاق الكنيسة المختبئة خلف الدعاية والزور والدجل, التي بدلاً من أن تصلح حالها المزري رمت بدائها على أهل الطهر والصدق والعدل والعفاف ثم انسلّت بمكر, ولكن أبى الله إلا أن يظهر عوارها, ويكشف حقيقتها, ويفضح زيفها, فلله الحمد والمنة والفضل, وهذا المحور يسلط الضوء على جانب الترف والطمع والخداع والخيانة.
وهذه نقاط ست أضحت سمات لأولئك القوم ومع كل نقطة استشهاداتها وبراهينها حتى نختم بها نكء هذا الجرح المؤذي، والعفن المميت.
أولًا: الوثائق المزيّفة (المزورة):
بعد انحطاط شأن الروم زوّر القائمون على الكنيسة الرومانية وثيقة منسوبة للإمبراطور قسطنطين وسمّوها (هبة قسطنطين) وبناء على هذه الوثيقة فقد عيّن الملك حينئذ الأسقف الرومي (البابا) رئيسًا أعلى للمستعمرات الأوروبية حيث سلّطه على شؤونها الدينية والدنيوية(1)! .
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل زوروا وثيقة أخرى تسمى (فتاوى الإيسيدور) وتشتمل على قرارات أساقفة الروم وفتاويهم ورسائلهم، وزبدتها اعتبار الأساقفة أرفع شأنًا من أن يحاكموا على يد الحكام الدنيويين، ولاسيما الأساقفة الرومان فلهم سلطات خاصة(2) وقد لعبت هذه الوثائق بالناس إذ صدقوها بكل عفوية، ولم يعلموا أنه يُمكر بهم مكرًا بعيد المدى، وقد أدت هذه الوثائق المزيفة دورها قرونًا طويلة إذ هي تعطي أولئك الباباوات والقسس مطلق الصلاحيات الدينية والدنيوية، حتى تجرأ عليها الباحثون بعد قرون عدة، وفحصوها وأثبتوا زيفها بأدلة لا يمكن ردها وبراهين يستحيل دحضها(3) ولم يقف الأمر عند تلك الوثائق لكنها كانت فاتحة تزوير لدى الباباوات أرباب الطمع والجشع, وركّاب الخيانة والخداع على امتداد تاريخهم المروّع.
ثانيًا: حب المناصب والخداع والرشوة:
وقد وصل حب المنصب لدى بعضهم إلى الكذب على الكنيسة الشرقية كلها، ومن ذلك أن رجال الكنيسة الشرقية بالقسطنطينية كانوا يعتبرون أنفسهم مساوين لزعيم الكنيسة الرومانية في روما، وهذا ما تم الاتفاق عليه في مجمع خلقيدونة عام (451م) ولكن تقرير هذا المجمع الذي أرسله الرومان إلى فرنسا وغيرها بإشارة من البابا ليو الأول جاء فيه كذبًا: إن أساقفة القسطنطينية قد اعترفوا بزعامة الكنيسة الرومانية العالمية!.
بل قد وصل التسطيح الفكري بالناس إلى أن زور البابا ستيفان الثالث وغيره وثائق وخطابات مزيفة للملك الفرنسي ببين وابنه فيما بعد شارلمان لامتلاك الإقطاعات عن طريقها، وقد ورد في الخطاب المزوّر: «إن الذي أرسلها وخطها وكتبها هو الرسول القديس بطرس الذي كتبه من الجنة للملك»(4)! وقد استطاع ذلك البابا المخادع بهذه الحيلة الدنيئة أن يستولي على ثلاث وعشرين مدينة إيطالية مع قراها.
واستمر مسلسل الخداع والتدليس، فكان البابا في البداية وارثًا لبطرس، ثم تطور به الطمع ليكون نائبًا عن المسيح، ثم لم يقف عند هذا الحد بل تجرأ على عتبة الربوبية فصار يشرّع ويحرم ويحلل حسب هواه!.
وبناء على هاتين السلطتين الدينية والدنيوية فقد حكم الباباوات الأقوياء على رقاب الملوك، فقد عزل البابا جريجوري السابع (1073م) الملك الألماني هنري الرابع عن الملك لأنه حاول الخروج قليلاً عن طاعته، وأصدر بحقه حرمانًا كنسيًا، فاضطر ذلك الملك أن يذهب إليه حافيًا ماشيًا على قدميه في جبال الألب في ثلوج الشتاء، مسافرًا إلى البابا الذي كان في قلعة مرتفعات كانوسا في تسكانيا، طالبًا العفو، لابسًا ثياب الرهبان، متدثرًا بالخيش، حاسر الرأس، حاملاً عكازه، واقفًا ثلاثة أيام تحت عتبة قلعة البابا، معلنًا توبته وندمه، حتى منّ عليه بالعفو(5)! كذلك أجبر البابا أنوسنت الثالث (1198م) ملك إنجلترا أن يسلم إكليله لممثله، ثم يعلن اتّباعه له، حتى يسترد إكليله مرة أخرى! كذلك فقد طال الحرمان الكنسي الملك فردريك كذلك الملك هنري الثاني الإنجليزي، كما تعرض له رجال الدين المخالفين للكنيسة العامة من آريوس حتى مارتن لوثر، كذلك العلماء والباحثين المخالفين لخرافات الكنيسة من برونو إلى آرنست رينان، أما الحرمان الجماعي فقد تعرض له البريطانيون عندما حرم البابا الملك يوحنا وحرم أمته معه!.
أما الحصول على المنصب عن طريق الرشوة فكثير جدًا، ومن الأمثلة الشهيرة الباب جون التاسع عشر (1024م) وبيندكت التاسع (1047م) والباب ذو السمعة السيئة الإسكندر السادس وغيرهم كثير(6).
والمفارقة أنه قد في عام (1417م) حصل انشقاق كبير نتيجة انتـخاب باباوين وثارت حرب كلامية بين الباباوين، وتبادلا السب واللعن والحرمان الكنسي! فتحيّر المسيحيون السذج ــ بطبيعة الحال ــ في هذه النازلة، ومن هو يا ترى المؤيد منهما بالروح القدس المعصوم من الخطأ؟ فالضدان لا يجتمعان!.
بل حتى الحروب الصليبية (المقدسة!) كان غرضها المادّة وحبّ الدنيا والعلو في الأرض. قال المؤرخ المسيحي أرنولد ميلر عن الحرب الصليبية: «فاقترح الشيطان حربًا لتـخليص قبر المسيح من يد الأتراك (المسلمين) وأخذ البابا يطبّل ويزمّر لهذه الفكرة، وكان غرض البابا أوربان هو إضعاف ملوك أوروبا حتى تتسنى له السيادة عليهم، وهذا ليس بغريب، فالبابوية في جوهرها ملحدة! فنادى أوربان: اذبحوا الكفار بلا حنو ولا رحمة... وفي مجمع كليرمونت اجتمع (200) أسقف و(400) قسيس واعتلى البابا أوربان المنبر يدعوهم لتـخليص الأرض المقدسة من شعب أولاد الجارية المصرية(7)... وختم خطبته بأن أعطى غفرانًا لجميع الخطايا من قتل وزنى وسرقة بدون توبة لكل من يحمل السلاح، ووعد بالحياة الأبدية لكل صليبي يذهب... وفي بيت المقدس لم يرحم الصليبيون شيخًا ولا امرأة ولا طفلاً، وقتلوا في هذه المجزرة (70.000) مسلم، وأحرقوا اليهود في معبدهم...»(8).
ثالثًا: الطمع وحب الدنيا، والانغماس في الترف:
فقد انتشر القمار وأكل أموال الناس بالباطل بين الكرادلة ورجال الدين، ولم يكن بمقدور البابا منعهم لأنه شريكهم في النهب! فهذا البابا أنوسنت الثامن لم يكتف بمديرين أو ثلاثة لمكتبه، بل قد عيّن ستة وعشرين مديرًا بعد أن باعهم هذه المناصب بالأموال الطائلة!.
والعجب أن منصب الباباوية ذاته قد تعرّض للبيع من قبل البابا بيندكت التاسع لما أراد الزواج بحبيبته فباعه بمبلغ طائل لأحد أفراد أسرته، لكنه لم يلبث أن عاد إليه حين لم يتمكن من الزواج.
أما البابا جون التاسع عشر فقد وافق على تنصيب أسقف القسطنطينية أسقفًا عالميًا نظير مبلغ طائل، ومن مشاهير الباباوات الذين باعوا المناصب الدينية البابا الإسكندر السادس والبابا بونيفاس التاسع.
هذا وقد انغمس رجال الدين في اللهو والحفلات والصيد والقمار حتى صارت روما شهيرة بالترف بدلاً من أن تكون شهرتها بالصلاح والبر، وقد كان لكل كاردينال مئات الخدم بثياب الحرير، وكان عندهم ولع بالبذخ الفاحش في الحفلات.
ولتمويل هذا الترف فقد اخترع الباباوات وأعوانهم طرقًا أخرى سوى الضرائب والكفارات وبيع المناصب الكنسية لامتصاص أموال الناس، فمن ذلك البيان المدهش العجيب الذي أصدره البابا جرجوري الأعظم (1590م)(9) وفيه: «إن نهاية الدنيا قد حانت، وأموالكم أيها الأغنياء لن تنتقل للأجيال القادمة، لذا أنصحكم أن تبيعوا إرثكم للكنيسة بأسعار رخيصة (والكنيسة تعني البابا نفسه)» وقد نجحت حيلته الدنيئة فانطلت على كثير من الدهماء والرعاع حتى أصبح هذا البابا الكذوب هو أغنى إنسان في أوروبا وأكثرهم ملكًا للعبيد.
أما بيع صكوك الغفران فهي التي أضحكت عليهم شعوب العالم حيث وضعوا غرامات معينة للذنوب بمختلف مراتبها ويستحق الغفران من دفع الغرامة استحق الغفران، ثم تطور الأمر إلى بيع الجنة على شكل صكوك إقطاعية!
أما أراضي الناس فاغتصبوها كما اغتصبوا رقاب أهلها ففي ما يسمى بعصور الظلام الأوروبية (451 ــ 1453م)(10) فقد رزحت أوروبا عشرة قرون تحت ما يسمى بالإقطاع وهو أن الأراضي الزراعية التي يملكها الملوك والسادة ورجال الكهنوت الذين تلقبوا بالنبلاء من باب التشريف، ويعمل في هذه الأراضي عبيد يُباعون مع الأرض ويُشترون! ويعملون على ملء بطونهم فقط بلا أجر، ولا يخرجون عن أمر صاحب الأرض، مع حق المالك في ضربهم وقتلهم ولا يجوز سؤاله عن ذلك! ولو أراد أحدهم أن يتزوج بكرًا فلابد للمالك أن يواقعها قبله حتى تحل من بعده للعبد!
وبالجملة فأبرز الطغيان الكنسي المالي يتجسد في سبعة أمور:
1ـ بيع صكوك الغفران.
بيع المناصب الكنسية.
الأملاك الإقطاعية، وقد كان أكبر إقطاع في أوروبا من نصيب الكنيسة(11)، وفي القرن الثالث عشر قدرت ثروة رجال الدين فوجدوا أن ثلث أراضي ألمانيا وثلث أراضي إنجلترا ملك للكنيسة(12)!.
وفي عام (1250م) كان دخل البابا أكثر من دخل ملوك أوروبا كلهم! بينما الأموال التي جمعت من إنجلترا فقط تزيد ثلاث مرات على دخل ملك إنجلترا، أما ألمانيا فنصف ثروتها ملك للكنيسة(13).
الأوقاف الخاصة بالكنائس حيث أنها تستولي على الأرض ثم توقفها على نفسها(14).
الضرائب الباهظة على الناس: ومن أمثلتها: ضريبة السنة الأولى وهي مجموع الأموال التي حصل عليها الموظف سواءً كانت وظيفة دينية أو إقطاعية فيسلمها للكنيسة(15).
العشور: فيدفع كل تابع للكنيسة عشر دخله لها سواء من تجارته أو ثمرة غلة أرضه أو حرفته أو غيرها، كذلك الهبات التي تؤخذ بالإحراج والتوسيط وبسف الحياء والضغط الأدبي أو الروحي من القسيس الذي لا تكتب الوصية إلا بحضرته.
العمل المجاني (السُّخرة)(16): فكانت الكنيسة تفرض على رعاياها العمل يومًا واحدًا بالمجان في أراضي الكنيسة الواسعة، فبدلاً من أن يستريح العامل المكدود في اليوم السابع إذ به يعمل بلا مقابل في المملكة الكنسية(17).
لقد كان هذا الفساد المستشري في أرجاء الكنيسة الجشعة إسفينًا من الأسافين التي دقت نعش الكنيسة وعجلت انهيارها(18).
رابعًا: الخيانة ومحاباة الأقارب:
فقد كانت الإساءة في استعمال السلطات واستـخدامها في غير ما وضعت له شائعة لدى البابوات والكرادلة، ومن أمثلة ذلك:
في عام (1300م) جعل البابا بونيفاس الثامن ذلك العام عام المهرجان، وأعلن أن كل من يزور روما في هذه السنة يغفر له ويستحق صك الغفران! فاندفع الحجاج إليها وقدّموا نذورًا طائلة جدًا حتى شق على موظفي الكنيسة جمع تلك الأموال، وبيعت التذكارات الدينية المزيّفة على العامّة والرعاع فبيعت قطرات دم المسيح عليه السلام وأشياءه الخاصة وأسنان لبنه وثيابه وثياب مريم عليهما السلام وشعرها وخاتم زواجها وزجاجات كثيرة مليئة بلبنها، وخشبة الصليب، وقد بيعت هذه الأشياء المزيفة آلاف المرات بنفس المسميات، ولم يتفكروا كيف يسفّه الناس بالخيانة الرخيصة والكذب المهين(19)، قال تعالى في وصف فرعون وقومه: "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين" [الزخرف: 54] وقد فعل فرعون ذلك الزمان وقومه مثل فعل فرعون مصر وقومه(20)، ثم استعجل ذلك البابا الجشع في جمع الأموال فأسقط عن الناس الذهاب إلى روما إذا هم أعطوا مندوبيه نذورهم ونقودهم وأجرة الذهاب والعودة! قال الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله" [التوبة: 34].
وقد فعل قريبًا من هذا البابا الإسكندر السادس، أما البابا العظيم عند المسيحيين أنوست الثالث (1198م) فقد اتفق مع أم أحد الأمراء الصغار الذين لم يبلغ سن الرشد أن يكون وليًا له مقابل مبلغ ثلاثين ألف جنيه، فلما اعتدى الألمان والفرنسيون على مناطق ذلك الطفل لم يتحرك ذلك البابا، بل شجع المهاجمين بقوله: «الحلف للرضيع لا يوجب شيئًا»! ألا قاتل الله الغدر والخيانة!.
أما البابا سكتس الرابع (1471م) فقد وعد أحد الموقوفين بأنه إن سلم له بعض الأفراد المطلوبين له فإنه سيخلي سبيله ــ وتهمته إعانتهم ــ فلما سلّم له ما أراد غدر به فقتله!(21) فعقلت أمه على غدره بابنها بأن قالت: «أيها الناس انظروا إلى رأس ابني وإيمان البابا اسكتس فكلاهما قطع».
هذا ومن أوضح الأدلة على سوء استـخدام السلطة حينما تنافس الفرسان المسيحيون وملكة فرنسا بالنيابة على جائزة تسليم "جم" التركي لأخيه بايزيد العثماني مقابل خمسة وأربعين ألف جنيه سنويًا، وكان ذلك الأمير العثماني "جم" قد نزل على الفرسان لاجئًا فأسروه! فطمع البابا في تلك الغنيمة فأرضى الفرسان بأن جعل رئيسهم كاردينالاً ووعد الملكة بأن يزوجها من أحد أقاربها وقد كان هذا الزواج محرمًا في المسيحية العامة، ولكن الطمع والجشع أذابا كل القيم لديه!.
قال المؤرخ المسيحي كريتن: «لا يوجد حادث أدلّ من هذا على الوضع السيئ والمعيب لهذا العصر»(22).
أما إعطاء المناصب من أجل القرابة أو الصداقة أو المحبة فيكفيك أن تقرأ سير الباباوات ليو العاشر وأنوسنت الثامن وأربن الثامن وبونيفاس التاسع ومارتن الخامس وكيلكستوس الثالث وبيوس الثاني وجون العاشر والإسكندر السادس وهذا الأخير قد عيّن أخًا لإحدى عشيقاته بمنصب الكاردينال، فأطلق عليه الرومان لقب (الكاردينال بفضل التنورة التحتانية!).
خامسًا: الظلم والسادية والقسوة والوحشية وسفك الدماء حتى داخل بلاط الكنيسة:
والتاريخ شاهد صدق على دماء غريزة وجثث وفيرة على بلاط الكنيسة_وانظر المحور الأول_ ومن ذلك:
بعد انتـخاب البابا دماسيس (366م) رفع أسقفان شكوى للملك بأنهما رأيا مئة وستين جثة على أرض الكنيسة خلال المشاجرات الانتـخابية(23)!.
أما البابا جون الرابع عشر (983م) فقد عُزل من قبل خصومه وسجن ومات بالسم(24).
والبابا ستيفان السادس (896م) قد أخرج جثة البابا السالف له فارموسوس من القبر ووضعت الجثة على سرير البابوية، وأجريت له محاكمة، وبعدها قطعت الجثة عقابًا له، ثم سلمت للعامّة الذين جرّوها في الشوارع ثم ألقوها في البحر(25)!.
أما البابا جريجوري الخامس (996م) وهو المعدود من صالحي البابوات فقد ثار الناس عليه وعُزل، وعُيّن بدلاً عنه البابا جون السادس عشر، ولكن جريجوري عاد لحربهم وتغلّب عليهم، ثم أمر بقطع أنف جون وأذنيه ولسانه ثم فقأ عينيه ثم أُجلس على حمار وتجول به في المدينة ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل: "ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكّروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون"  [المائدة: 14].
أما الحروب التي هاجت بين أربن السادس وعدوّه البابا كليمنت السابع فهي شبيهة بالحروب الهمجية بين ملوك الدنيا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فقد قتل فيها الكثير من البشر من الرجال والنساء والأطفال، وقطعت أعضاؤهم، ونهبت أموالهم، واغتصبت النساء(26).
وللمزيد من البراهين على وحشية أولئك راجع سيرة البابوات جون الثالث عشر وبونيفاس الثامن وسكتس الرابع وجوليس الثالث الذي قال عنه المؤرخون: «كان ماهر في جميع أنواع الظلم» ثم تأمل كيف تبوءوا السيادة المطلقة في قلوب أتباعهم(27).
سادسًا: الفسق والفساد الخلقي:
ولا مزيد على ما ذكر في المحور الثالث في المقال الثاني فليراجع.
وفي الختام؛ فبعد هذه الأدلة الساطعة والبراهين الناصعة على فساد أخلاق الكنيسة؛ فعليها أن تصمت للأبد في ميدان الأخلاق والتحضر الإنساني والتمدّن الأخلاقي, فأخلاقها قد سقطت في حضيض الإسفاف والعار والسوء, وإذا أرادت أن تكذب مجدداً على الإسلام وسمو حضارته فعليها أولاً تنظيف وصَمات العار من جبينها الأخلاقي البشع! وأنّى لها! ثمّ بعد ذلك تترقى إلى أن نسمح لها بالحوار مع الإسلام, والإفادة من سموّه وحضارته, وعلى البابا أن يتعلّم من أخلاق الإسلام قبل أن ينبس ببنت شفة في نقده أو القدح فيه, ولا نقول لكل من انتقص من مقام نبي الإسلام عالماً إلا كما قالت العرب: ما ضر السحاب نباح الكلاب, أما إن كان جاهلاً فما ضرّ اليمّ إلقاء الحجر, وما ضرّ النبي الأكرم والرسول الأعظم ما فاه به الأبعد, وإن كان في سُجُفِ الغيب خير لأحد فطريق تحقيق تلك السعادة ونيل هذا الفلاح هو باتباعه وطاعته.
والحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان والقرآن والعافية, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد النبي الخاتم والرسول الأخير الذي أتى بالعهد الأخير خير من خلق الله تعالى وأكرم من اصطفى, وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه.
إبراهيم الدميجي
24/ 4 /1433
مدونة كلنا نحب المسيح عليه السلام:
.....................................
         (1)   فلم تكفهم السلطة الدينية عن إشباع نهمهم في السلطة الدنيوية بل هي الغاية للسلطتين.
         (2)   وهذا هو بيت القصيد، فقد استمرءوا هذه اللعبة سنينًا طويلة، ولم تقف أطماعهم عند حد حكام الدنيا، بل أرادوا إلغاء سلطة الطوائف الأخرى، لاسيما الأرثوذكس، وقد حصلت بين الطائفتين حروب فكرية وسلطوية ودموية بسبب أطماع الفريقين وبخاصة الكاثوليك.
        (3)   ومن أدلتهم:
1ـ لغتها اللاتينية هي لغة القرنين الثامن والتاسع، مع أن زمن هذه الوثائق الافتراضي هو القرن الثاني إلى الرابع على أقصى تقدير!.
2ـ عبارات الكتاب المقدس المضمنة فيها مأخوذة من الترجمة اللاتينية المشهورة (ولجيت) التي لم تكتب قبل (400م)!
3ـ تضمنت رسائل منسوبة إلى شخصيات قد عاشت في القرن الخامس، أي قبل وجودهم بأكثر من قرن أو قرنين من الزمان!... إلخ تلك الأدلة، والمهم عند هؤلاء أنها قد استنفذت المقصود منها, ومكنت لهؤلاء سلطة ما كانوا ليحصلوا عليها لولا الكذب الرخيص والغش والخداع.
        (4)   كان الملك الفرنسي ببين متديّن, فلعل ذلك الباب اللص قد استغل تلك الصفة فيه، وإن كنت أستبعد ذلك لأنه لن يمر بسهولة على عقلية مثل ذلك الملك، ولكن ربما كان قرارًا سياسيًا أكثر منه دينيًا؛ لأنه إن رفض مثل هذا الخطاب المباشر من القديس بطرس_الذي قد أرسله له من الجنة!_ فسيقط عند العامة ويحترق ملكة, فسلطة البابا بهذا لا نهاية لها على الملك عند الرعاع الذين يتبعون القسس ويرون عصمتهم، بل ربما قد خاف من الحرمان الكنسي نفسه، أو كانت صفقة جرت بليل، أو غير ذلك، الشاهد من هذا هو بيان مدى جشع أولئك وطمعهم البالغ واستـخفافهم بالمسيحية والمسيحيين.
        (5)   انظره على التفصيل: تاريخ أوروبا (1/260) فينشر.
       (6)   فأين ما تدعيه الكنيسة الرومانية: من أن نور الروح القدس يهدي الكرادلة في اختيار البابا؟! والواقع أن وميض الذهب والفضة هو ما يهدي الكرادلة وليس النور المزعوم.
ومن الطرائف أن البابا يونيفاس الثامن قد خطط لأن يكون هو البابا، فدبر حيلة على البابا الموجود حينها سيلتائن الخامس، فركّب أنبوبًا خفيًا في غرفة البابا سيلتائن الخامس وبدأ يرسل عن طريقها (صوتًا سماويًا مقدسًا!) يلقنه الاعتزال ويدعوه لترك المنصب، واستمر بفعل هذه الحيلة وتكرارها حتى اعتزل ذلك المخدوع ونال الماكر المنصب الذي تمنّاه! ولا عزاء للعفاف والنزاهة والصدق في ذلك الحين!.
        (7)   وهذه العبارة العنصرية مقتبسة من رسائل بولس!.
       (8)   مختصر تاريخ الكنيسة، أرنولد ميلر، ص257ــ 263. وسيأتي مزيد عن فظائعهم الصليبية في مقال لاحق إن شاء الله تعالى.
       (9)   كتابة التاريخ بعد اسم البابا يقصد بها سنة اعتلائه عرش البابوية.
       (10)   أي من سقوط روما بأيدي الجرمان إلى فتح القسطنطينية في عهد محمد الفاتح، وبهذا نفخ المسلمون روح الحضارة والمدنية ونور العلوم التجريبية في أركان القارة المظلمة العجوز.
          (11)   انظر: قصة الحضارة (14/ 425).
          (12)   قال ريكلف جين طالب بإصلاح الكنيسة: «إن الكنيسة تملك ثلث أراضي إنجلترا وتأخذ الضرائب الباهظة على الباقي» تاريخ أوروبا، فينشر (2/ 762).
          (13)   لذا فلا نعجب أ، كان الصوت المرتفع للمحتجين (البروتستانت) قد خرج من ألمانيا أكثر من غيرها، وكما قيل: الصياح على قدر الألم.
           (14)   وانظر: معالم تاريخ الإنسانية (3/895).
           (15)   تاريخ أوروبا، فينشر (2/380).
           (16)   ينظر: العلمانية، د. الحوالي، ص138ــ 143.
          (17)   مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، ص43.
         (18)   ومن أكبر الأحداث المسقطة للكنيسة الثورة الفرنسية، وقد كان من كبار منظريها جان جاك روسو وفولتير ــ وإن لم يدركاها ــ اللذان تأثرا ببعض النواحي بالإسلام، وبخاصة في نقد الكهنوت والاستبداد، ذلك أن الهدف الأساسي لتلك الثورة هو القضاء على كهنوت الكنيسة وإقطاع النبلاء، وقد انفجرت تلك الثورة في فرنسا عام (1789م) واستمرت عشرة أعوام تقريبًا، وقد ذهب عامة الناس إلى الشوارع والطرقات وقتلوا الملوك والنبلاء ومؤيديهم، ونهبوا أملاكهم وأعانهم الجيش على ذلك، وقد وضعت الثورة وثيقة حقوق الإنسان فيها: «يولد الناس أحرارًا ومتساوين في الحقوق» وقد قال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل ذلك: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!».
والعجب أن الأمة الغضبية اليهود قد خرجوا من أحيائهم "الجيتو" واستغلوا هذه الثورة لأقصى حد، فهم وإن كانوا لا ينشؤون الأحداث لكنهم يهتبلونها ويستغلونها لصالحهم، فالثورة قد قامت ضد عدوين هما رجال الكنيسة والإقطاعيين، وهما عدوا اليهود كذلك فالكنيسة تذلهم لأنهم ــ برأيها ــ قتلوا ربها، والأشراف النبلاء يختارونهم لوضاعتهم وخبثهم، لذا ركب اليهود موجة الثورة ووجهوها بكل مكر ودهاء، فحوّروا حرب الكنيسة إلى حرب الدين نفسه؛ ثم لما أقبلت الثورة الصناعية احتاجوا لأولئك العبيد (عبيد الأسياد وعبيد الأرض الإقطاعية) من أجل يدهم العاملة، ذلك أن المصانع لا تقوم إلا بهم وإلا فلن يقترض المصنّعون الأموال بالربا الفاحش من اليهود، ثم ألف دارون المسيحي كتابه في أصل الأنواع وقال بأن أصل الإنسان حيوان يتطور من طور إلى طور، فطار اليهود بتلك النظرية وتلقفوها وهدموا بها الكثير من القيم والفضائل.
وقد عمل الثلاثي اليهودي ماركس وفرويد ودوركايم على ذلك، فأشاع ماركس شيوعية المال والنساء وأن الغيرة والفضيلة إنما هي من تسلط الرجل على النساء بسبب أنهم من يجلبون المال، ولكن إن حررنا المرأة من الرجال فلها أن تهب جسدها لمن شاءت بلا قيد، وكذلك في الأموال، وما الدين عنده إلا أفيونٌ للشعوب.
أما فرويد ونظريته في التحليل النفسي وإشاعته لما اخترعه من عقدة أوديب في الميل الجنسي عند الذكر من صغره وشهوته تجاه أممه، وعقدة إلكترا بالنسبة للأنثى تجاه والدها! وأن الكبت الجنسي هو ناشئ عن خرافة الفضيلة ــ على حد زعمه ــ.
أما دور كايم فاستـخدم تلك الداروينية على أساس ما أسماه بالعقل الجمعي أي أن القيم والفضائل كذلك الشرور إنما هي من خارج الفرد لذا فعلى الفرد أن لا يتقيد بحس الضمير أو الوزاع وأن رغبات الناس هي المحددة لسلوكهم وليس الفضيلة والخلق الحسن!.
         (19)   وقد اختصر العشاء الرباني المزعوم على هؤلاء اللصوص طريقهم فمن اعتقد أنه بشربه للخمر وأكله الكعك أنه يشرب دم المسيح ويأكل لحمه فما بعده أهون!.
         (20)   أما في الإسلام فلا مجال لهذه السخافات والتفاهات، بل هناك تشديد على أمرين:
الأول: هو رفع سقف فضيلة الصدق وتحتمها على كل مؤمن وعدّ الكذب من خصال المنافقين.
الثاني: احترام عقل الإنسان وتكريمه، ونبذ الخرافة والخزعبلات فليس في الإسلام منافرة بين الإيمان والعقل والعلم, بل الانسجام والإرضاء والإشباع بشكل تكاملي؛ فالإيمان يحث على التعلم والتفكير الحر، والعلم يزيد في الإيمان، قال الله تعالى: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" [الزمر: 9]، "وقل رب زدني علماً" [طه: 114]، ثم تأمل أثر العلم على الإيمان في قوله عز وجل: "إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور" [فاطر: 28].
لذلك، فمن قاس قيمة العلم واحترامه في الكهنوت الكنسي على الشريعة الإسلامية فقد ظلم الإسلام، فالإسلام يحث على العلم ابتداء ويرتفع الناس فيه على قدر علمهم وخاصة في أمور الديانة "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" [المجادلة: 11]، والقرآن الكريم يقدح التفكر والتأمل في العقل، "قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا" [سبأ: 46].
          (21)   أما في الإسلام فالغدر معدود من المهلكات، وقد تضافرت الأدلة من القرآن والسنة على الأمر بالوفاء والنهي عن الغدر "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم"  [النحل: 91] ومن وصاياه عليه الصلاة والسلام: «لا تغدروا» مسند أحمد، ص2723. ومن الثلاثة الذين تُوعدوا بالعذاب العظيم يوم القيامة كما في الحديث القدسي الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة تبارك وتعالى: «ورجل أعطى بي ثم غدر» رواه البخاري.
وفي النفس الإنسانية نزوع إلى البطش والانتقام عند نشوة النصر لكن النبي العظيم صلى الله عليه وسلم ليس كذلك فقد قال يوم فتح مكة وهو أعظم الفتوح على الإطلاق: «اليوم يوم بر ووفاء». سيرة ابن شام (2/412. بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه. وقد ذكر أن من صفات المنافقين: «وإذا عاهد غدر» متفق عليه.
ومن تأمل الحروب الصليبية وجد الفرق الشاسع بين وفاء المسلمين وغدر المسيحيين.
         (22)   عن: المسيحية، ص351.
        (23)   ومع ذلك فما زالوا يصرون على أن الروح القدس يلهم الكاردينالات اختيار الأقرب إلى الله!.
         (24)   قد ترى بعض التكرار في بعض الفقرات في ثنايا هذا الكتاب لأهميتها مع التزامي بعدم تكرار نفس المادة بل بمعلومات جديدة ــ إلا ما ندر مما لا يحسن إغفاله ــ.
        (25)   إن كان البابا معصومًا لديهم من الذنب والخطأ فعلام ذلك! حقًا إنه دين الخرافة.
         (26)   ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب للناس أروع الأمثلة في العفو عند المقدرة، فحينما أخضع الله تعالى له رقاب عتاة أعدائه من قريش يوم فتح مكة، قام على باب الكعبة وقال لهم: «أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: "لا تثريب عليكم اليوم" [يوسف: 92] اذهبوا فأنتم الطلقاء» سيرة ابن هشام (4/54، 55).
    (27)   انظر: قصة الحضارة، ول ديورانت (14/ 352).




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق