إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 15 مارس، 2012

"أَخْلَاقُ الْكَنِيْسَةِ" (1/ 3)


"أَخْلَاقُ الْكَنِيْسَةِ"
(1/3)
الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, مالك يوم الدين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, إله الأولين والآخرين, وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله وخيرته من العالمين, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين, وبعد:
 فقد دأبت الكنائس العالمية بمختلف مشاربها ومذاهبها على تصوير رجال الدين النصراني (الأكليروس) من البابا والبطريرك مروراً بالكاردينال والأسقف والقس والشماس حتى أصغر كاهن على أنّهم في الغاية من العفاف والزهد والصدق والرحمة والعدل, وأنهم يمثّلون الأسوة الحسنة للمؤمنين الصالحين, وأنّهم منابر حقيقة بالاقتداء والائتساء, وفي المقابل تصف الإسلام ونبيّه بكل نقيصة ورزيّة! وبثّت ذلك في وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية, وبين فصائل المجتمع من الرجال والنساء كما أولوا الأطفال غاية العناية بذلك التوجيه, كلّ هذا عبر قنوات التنصير (التبشير) التي أنفقوا عليها مليارات الدولارات! وملايين الساعات! وألوف العاملين! فهل هذا الزعم بصلاحهم صحيح؟ أم هو قريب من ذلك؟ أم أنّه محض افتراء؟.
والجواب هو الثالث (في الأغلب ومن حيث الإجمال لا العموم) وهو ما ستراه بإذن الله تعالى بلغة الوثائق والأرقام. وسيكون عبر ثلاثة محاور مقسمة على ثلاثة مقالات؛ الأول: الدموية والقسوة والسادية. والثاني: الفسق والخنا والفواحش. والثالث: الترف والطمع والخداع والخيانة.
"الْدَّمَوِيَّةُ والْقَسْوَةُ وَالْسَّادِيَّةُ فِي رِجَالِ الْكَنِيْسَةِ"
ينسب إنجيل متى إلى المسيح عليه السلام قوله: «لا تظنوا أني جئت لألتمس سلامًا على الأرض ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها والكنّة ضد حماتها وأعداء الإنسان أهل بيته» (متى 10: 35ــ 37).
ولا عجب من نِسْبَةِ عداء المسيح عليه السلام للإنسانية والمجتمعات البشرية, فليست أول الافتراءات عليه ــ وحاشاه من ذلك ــ والمشكلة أن كتاب العهد الجديد مع فصامه مع القديم فإنه لا يفوّت العثرات والسقطات فيه من أجل أن يبني على ذلك المنهج القديم ــ المنحرف ــ بناءً إنجيليًا ملفّقًا مسوقٌ بهوى كنسي.
فهذه أسفار العهد القديم تنطق بوحشية بهيمية _وليست من عند الله قطعًا_ ومن أمثلتها: "وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك فلا تستبق منها نسمة" (تثنية 20: 10_17), "اقتل رجلاً وامرأة وطفلاً ورضيعاً (1) بقراً وغنماً جملاً وحماراً"(صموئيل (1) 15: 2، 3)، إذن فالعهد القديم يأمر بقتل النساء الضعيفات والأطفال الرّضّع والبهائم المعجمة بلا أدنى رحمة! كلّا! إنها النفسية اليهودية المحطمة المقهورة, التي ملّت من استعباد الأمم لها وإذلال الشعوب لها عبر التاريخ, مع ظنّها أنها أفضل منهم جنسًا بل هي الصفة الآدمية وهم الصفة الحيوانية كما في تلمودهم, ومع تراكم القهر والذلة واليأس أسقطوا ذلك على أدبياتهم وقصصهم ورواياتهم ووصاياهم التي غلفوها بالطابع الإلهي الموحى به، وحاشاه! لكنها تلك المشاعر المكبوتة في الضمير الباطن والخيالات المريضة في اللاشعور عند كتبة تلك الأسفار الغريبة، بل قد نسبوا إلى موسى عليه السلام أنه أمر جيشه بحرق جميع مدن مديان بمساكنهم(2) وقال: «اقتلوا كل ذكر من الأطفال وكل امرأة عرفت بمضاجعة ذكر اقتلوها» (عدد 31: 7ــ 17)(3).
إن الله تعالى وهو البر الرؤوف الرحمن الرحيم لا يأمر بهذا الفساد، بل إن الإفساد في الأرض هو شعار أعدائه فقد وصف أحدهم بقوله: "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد" [البقرة: 205] وقد تبرأ من إفساده، والحق يصدّق بعضه بعضًا، والفطر السليمة تستنكر هذه الأفاعيل والفظائع، فدل ذلك على أن هذه الأمور مكذوبة ومزورة على العهد القديم الأصيل سواء كان من التوراة أو كتب الأنبياء، ثم انظر إلى نتائجها الكارثية المروّعة والمدمّرة على الأمم والشعوب، ولن ننظر إلى فظائع اليهود في هذا الزمان ضد المسلمين في مجازر جماعية لا تستثني أحدًا من دمويتها، ولكن الذي يعنينا الآن في هذا المبحث هو الأمم النصرانية المنتسبة إلى المسيح عليه السلام؛ فالتاريخ المسيحي قد امتلأ بالظلم والطغيان حتى فاضت كؤوسه المترعة، وصار عدم التسامح منهجًا ــ عمليًّا ــ ليس مع الخارجين عن الديانة النصرانية فحسب بل حتى مع إخوة الدين الواحد في الظاهر، وبعد عصر قسطنطين كان المفترض منهم التسامح مع الشعوب والدعوة بالحسنى إلى دينهم لقاء ما عانوه من اضطهاد في القرون الثلاثة الأول، لكنهم انقلبوا على ذلك بشكل عجيب.
فبدأوا بتزوير وثيقة باسم قسطنطين تسمح لهم بالعنف مع غير أتباع ملّتهم، فقضوا خلال القرن التالي على أتباع الديانات الأخرى القاطنين بينهم وفي جوارهم، ثم زادوا بأن تعدوا ذلك للقضاء على المسيحيين أنفسهم المخالفين للكنيسة الرومانية المركزية، وكل هذا تحت شعار (حرب الملاحدة والمشركين!) كما ذكر ذلك هربرت مولر(4) وكان البابا ليو الثاني عشر يرى أن التسامح الديني هو انصراف عن الدين الحق! وقد استـخدم المخبرين الرسميين وقبض بمساعدتهم على المختلفين معه فملأ بهم السجون.
وبعد أن انتهى المسيحيون من الملاحدة ومن المخالفين الكبار في المسيحية، توجهوا إلى اليهود فأعملوا فيهم القتل انتقامًا لثارات المسيح(5)، قال مولر: «بعد غلبة المسيحيين كوفئ بنو إسرائيل أكثر من مصائب المسيح بمئات الآلاف». وقد قتل البابا ستيفان السادس اليهود في أكثر من مناسبة، وقال الباب هائيلد براند محذرًا الحكام المسيحيين من التهاون أو التعاطف مع المشركين أو اليهود: «الذي يمنع سيفه من قتل هؤلاء فهو ملعون»(6).
وبعد قتل الوثنيين ومخالفي الكنيسة واليهود جاء دور المسلمين، فتوجهوا لقتلهم بما يسمى الحروب الصليبية وقتلوا في القدس سنة (1099م) سبعين ألفًا من سكانها، قال ستيفن رنسيمان: «اقتحم باب المسجد ثلة من الصليبيين فأجهزت على جميع اللاجئين فيه، وحينما توجه قائد القوة ريموند أجيل في الضحى لساحة المعبد(7) أخذ يتلمس طريقه بين الجثث والدماء التي بلغت ركبتيه...»(8).
وكان من وسائل الترفيه لدى الجنود الصليبيين أن يشووا أطفال المسلمين كما تشوى النعاج!.
ويذكر مؤرخو المسيحية أن ريتشارد قلب الأسد في الحملة الصليبية الثالثة عند احتلاله لعكا أنه ذبح (2700) من الأسارى المسلمين، ثم ذبح أطفالهم ونساءهم بجوارهم(9)!.
وذكر غوستاف لوبون نقلًا عن روايات رهبان ومؤرخين رافقوا الحملة الصليبية الحاقدة الدموية الوحشية على بيت المقدس: «كان قومنا يذبحون الأولاد والشباب ويقطعونهم إرْبًا إرْبًا، وكانوا يشنقون أناسًا كثيرين بحبل واحد بُغية السرعة، وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث!»(10)، فهل تعلم أمة من الأمم الوثنية فعلت كفعل هؤلاء المسيحيين في بلد المسيح؟!.
وقال كاهن آبوس ريموند داجميل شامتًا بالمسلمين القتلى: «لقد قطعت رؤوس بعضهم، وبقرت بطون بعضهم، وحرّق بعضهم في النار، وكان لا يرى في شوارع القدس إلا أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم، ولكن هذا لم يكن سوى بعض ما نالوا»! ثم قال ذلك الخبيث واصفًا مذبحة المسجد العمري: «ولم يكتف الفرسان الصليبيون الأتقياء (كذا!!) بذلك، فعقدوا مؤتمرًا أجمعوا فيه على إبادة جميع سكان القدس من المسلمين واليهود وخوارج النصارى الذين كان عددهم ستين ألفًا، فأفنوهم عن بكرة أبيهم في ثمانية أيام، ولم يستبقوا منهم امرأة ولا ولدًا ولا شيخًا»(11)، فهذه إشادة من رجل دين نصراني بوحشيتهم؛ فالمسألة لها محركات دينية كنسية.
وليست هذه الإبادة في القدس فقط بل في كل البلاد الشامية التي استولوا عليها فقد قتلوا في المعرّة مئة ألف إنسان(12)! (وليس فعل الفجرة النصيرية في سوريا في هذه الأيام وفظائعهم وجرائمهم إلا ثمرة زرع النصارى الفرنسيين لهم إبّان استعمارهم سوريا, فلقبّوهم بالعلويين أولاً تحسيناً لصيتهم القميء البشع الغادر, وثانياً بتوليتهم مقاليد الأمور على رقاب أهل الإسلام, فما أبشع ثمارهم!).
ومع هذه الفظائع الكنسيّة التي يشيب لها رأس الغراب فإن المسلمين لما استردوا بيت المقدس من عَبَدَةِ الصليب لم يعاملوهم بالمثل، فقد أبى عليهم سمو دينهم وعلو أخلاقهم من النزول لمستوى صنيع أولئك، لذا فقد عاملوهم بعكس أفعالهم فرأفوا بهم ولطفوا بهم وحرسوهم وحموهم من الأذى، بشهادة النصارى بذلك. فلم تتعرض دور النصارى في القدس للنهب، ولم يُقتل أهلها، لما فتحها صلاح الدين(13)، ولم يحلّ مكروه بالمسيحيين، بل كان رجال شرطته يطوفون في الشوارع لحماية النصارى من أي اعتداء من ناهب أو موتور. بل قد زاد من حسن معاملته فأطلق لهم أسراهم، أما من قتل منهم في المعركة ضده فقد فرض لأرملته وأولاده عطية من بيت مال المسلمين! ولا عجب فهذا هو الإسلام "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [الأنبياء: 107].
ونعود للمسيحية المبدلة؛ فإن ما يُعرف بالاحتساب الديني لهو وصمة عار في جبين المسيحية إلى نهاية الزمان، ففي القرن الثاني عشر أصدر البابا ليوسيس الثالث أمرًا سنة (1185م) بأن الأساقفة وحكام الكنيسة يتحملون مسؤولية البحث عن الذين يُشك في عقيدتهم، والذين لا يخلصون للكنيسة. ثم زاد الأمر فشجعت الكنيسة عامة الناس على البحث عن الملاحدة (أي كل من يخالف تعاليمها) والوشاية بهم، والذي يفعل ذلك يكافأ بأن يُعطى ثلث ممتلكات الملحد، وتأخذ الكنيسة الثلث الثاني، أما الثلث الثالث فيذهب للحاكم المحلي(14)، وكانت النتيجة بالطبع اضطهاد وقتل كثير من الأبرياء بتهمة الشك في إلحادهم(15)، والغرض إما لإحن وثارات أو طمع في الثروات، وقتل ذلك المشكوك في إلحاده، ثم اقتسام ممتلكاته بين عصابة الأطراف الثلاثة! بل لقد وصل الحد إلى أنهم كانوا يتهمون الموتى بعد وفاتهم، ثم ينبشون القبر، ويخرجون الجثة ويحاكمونها (مع سبق إصدار الحكم) ثم يجلدونها بالسياط ويحرقون عظامها بالنار ثم يعودون إلى الغنيمة وهي ممتلكات الجثة فيسلبونها من أطفاله وأرملته ويقتسمونها! ولا عزاء لمؤرخي الكنيسة المدلسين.
وفي عهد البابا جريجوري التاسع أمر بإحراق المتهمين بالنار بعد ربطهم في الخشب ــ في ساديّة بشعة ــ فأحرق آلاف البشر، وفي سنوات قليلة بلغ عدد القتلى بهذا النظام الأقل رتبة من الهمجي الوحشي وهو ما يُعرف بالاحتساب إلى مئة ألف إنسان في هولندا وحدها، والتي كانت ملاذًا للموحدين المسيحيين إذ ذاك! وقد غُيبت سجلات وأسماء الكثير من القتلى في المناطق الأخرى! إن نيرون ليتصاغر عند دموية هؤلاء البابوات!.
وقد سار على نهجهم الحكام الأسبان المسيحيون أمثال فرناند وإيزابيلا سنة (1474م) ببركة دعاء البابا الدموي سكتس الرابع!، وكان الهدف في هذه الجولة هم أهل الإسلام ومن كان معهم من اليهود أو المسيحيين المخالفين للكنيسة العامة، فأقام أولئك المجرمون محاكم التفتيش والمحاسبة، حتى بلغ القتلى الذين قد سجلت أسماؤهم (341.000) إنسان! سوى من غُيّب بدون تقييد اسمه وهم كثير! كما أجبر مئات الآلاف من المسلمين واليهود على التديّن بالديانة المسيحية المبدلة(16).
وقد اعترف مؤرخو المسيحية الكبار أن المسيحيين جازوا إحسان المسلمين بهم ورأفتهم وعطفهم عليهم ورحمتهم بهم إبّان حكمهم لهم؛ بأن عاملوهم بالعكس، وعاقبوهم بأشد العقوبات والأنكال والفظائع حتى أنهم أحرقوهم وهم أحياء وبقروا بطون الحوامل واغتصبوا النساء وقتلوهن كذلك الأطفال, أما من بقي من الأطفال فقد استعبدوه! ولا زال بعضهم يفخر بتلك الحضارة الهمجيّة, فلتهنأهم!.
وكان موظفو المحاسبة ورجالات محاكم التفتيش يقتلونهم بلا هوادة وبدون محاكمة، ويستولون على ممتلكاتهم مباشرة، ولم يسلم من هذا الظلم الفاحش والطغيان الجائر المسيحيون المخالفون كالألبجنزية(17) وكانت هذه الفرقة تقطن جنوب فرنسا، فأمر البابا أنونست الثالث بقتلهم، فقتل منهم مئة ألف! ودمرت قراهم، بل وصل الحال لقتل بعض الكاثوليك، وقد ذكروا أن الإبادات الجماعية قد استـخدمت فيها الهمجية حتى وصلت لإلقاء الأطفال من النوافذ العالية حتى تنفجر رؤوسهم الصغيرة على الطرقات! فيا لله ما لهؤلاء؟!(18).
وفي عصر الملكة الإنجليزية ميري ثيودور (ميري سفاكة الدم) أُحرق ثلاثمئة بروتستانتي حتى الموت، واشتهر كذلك زوجها فيليب بدمويته.
هذا وقد اندلعت حرب دامية وبشعة بين البروتستانت والكاثوليك في أوروبا الوسطى، واستمرت ثلاثين سنة! (1618ــ 1648م) وقتل فيها مئات الألوف من البشر، وكل ذلك باسم الدين!.(19)
ومن أمثلة طرق التعذيب في محاكم التفتيش في أوروبا عامة وفي الأندلس خاصة على يد المسيحية المبدلة:
وضع السجين في تابوت مليء بالنصال الحادة على ظهره وبطنه!.
حبس السجين في وعاء وتقطير الماء على رأسه حتى يموت!.
فرم اللحم والعظام بفرّامات كبار تبدأ من الرجلين حتى تنهي الجسد كتلة من اللحم المفروم!.
4ـ الإحراق بالنار الهادئة حتى الموت!.
إخراج الأجساد الحية من النار نصف مشوية حتى تموت رويدًا رويدًا!.
تعرية الجسم ثم وخزه بالإبر!.
وضع العسل على الجسد العاري ثم تعليقه عند النحل حتى يموت من وخزها!.
ربط المرضعات أمام أطفالهن وحرمانهم منهن حتى يموتوا جوعًا أمامهن!.
نفخ البطون بالمنفاخ حتى تنفجر!.
10ـ وأهون تلك الألوان هي المقصلة!.(20)
وغير ذلك كثير مما تفتقت عنه الذهنية الإجرامية الشيطانية الزاعمة زورًا وبهتانًا بنسبتها إلى مسيح الرحمة والهدى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ولنلق نظرة أخيرة على شاطئ بعيد سكنه أقوام مسالمون لكنّ إجرام المسيحية المبدّلة طالهم في عقر دارهم، وهم الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليون، فقد أبادهم المسيحيون الأسبان وفعلوا بهم ما يعجز القلم عن وصفه، شناعة وفظاعة!.
وقد نشر المطران برتولومي دي لاس كازاس وثائق(21) لإبادة تلك الأمة البائسة المُبادة على يد المسيحيين الغزاة(22)، بمباركة الكنيسة الكاثوليكية, وقد كان برتولومي شاهد عيان لتلك الإبادات الجماعية التي راح ضحيتها عشرات الملايين من البشر في فترة خمسين سنة!.
وقد رافق برتولومي الرحالة الشهير كولومبس في رحلته الثانية، وشاهد بأم عينيه ما عجز قلبه عن تحمله من وحشية، فوثق ذلك وكتبه ونشره، ومن ضمن ما قاله: «كانت سياسة الاجتياح المسيحي عندما يدخلون قرية أن يرتكبوا مجزرة مخيفة ترتجف منها أوصال هذه النعاج المرهفة... وكانوا يجرّون الطفل الرضيع من بين يدي أمه، ويلوحون به في الهواء، ثم يخبطون رأسه في الحجر، أو جذوع الشجر، أو يقذفون به بأقصى قوتهم في الهواء! وإذا جاعت كلابهم قطعوا لها أطراف أول طفل هندي يقابلونه! وكانوا يقتلون الطفل ويشوونه من أجل أن يأكلوا لحم كفيه وقدميه قائلين: «إنها أشهى لحم الإنسان!!(23)» وقد انفطر قلب برتولومي من هذه الفظائع(24) حتى أنه أرسل إلى ملك أسبانيا يسترحمه ويستعطفه بوقف هذا العذاب الفظيع، ولكن ذلك الملك المجرم الأثيم لم يأبه لرسائل ذلك المطران البائس؛ لأن يديه لازالت ملطخة بدماء المسلمين في قشتالة وغرناطة.
وقد ذكر برتولومي في كتابه طرقًا للقتل لا تستطيع أعتى الوحوش أن تتقبلها لشناعتها!.
أما عدد أولئك الهنود المبادون فلا يعلم بالتحديد، ولكن من المؤكد أنه كبير جدًا، وقد أوصله بعض المؤرخين إلى مئتي مليون، بل زاد آخرون على ذلك أضعافًا! وعلى كل حال فقد طُوي بساط أولئك الأبرياء، ودفنوا في أرضهم التي تزيد مساحتها على أوروبا سبعة عشر مرّة، وقد صاروا أثرًا بعد عين!.
ثم ماذا بعد ذلك، ماذا فعلت النصرانية في هذا الزمان؟ وهي تزعم اهتدائها بالمسيح، وسيرها على وحيه ووصاياه؟! والجواب معلوم لدى الجميع وبخاصة من قرأ التاريخ المعاصر لدول المسلمين، ولله الأمر من قبل ومن بعد(25).
لقد اضطر مؤرخو المسيحية أمام هذه الفظائع باسم المسيح أن يقولوا: «تمتاز المسيحية بين الديانات التاريخية بأنها قتلت منكريها، وشددت عليهم من حيث الكم والكيف، لدرجة أنه لا يمكن أن تتنافس معها أي ديانة أخرى» «وهي ديانة سفاكة وقتالة وتتعامل بالسيف مع كل من يقاومها»(26). ولا ينقضي العجب ممن يفضّل حضارة النصارى على حضارة الإسلام, فلا مجال للمقارنة فضلاً عن المقاربة, وهذا بشهادة منصفيهم قبل مؤرخينا, وسيأتي بسط ذلك فيما يُستقبل بمشيئة الله تعالى.
ألا ما أعظم حاجة البشريّة لسلام الإسلام, وهدى القرآن, ونور الإيمان, والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله, لقد جاءت رسل ربنا بالحق. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه.
إبراهيم الدميجي
22/ 4 /1433
مدونة كلنا نحب المسيح عليه السلام:
...........................................
(1)   يزعمون بذلك أن هذه وصية من صموئيل عليه السلام, وهو النبي المذكور في قوله تعالى: "إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله" [البقرة: 246] وصموئيل هو آخر قاضي عام لبني إسرائيل ومن بعده انقرض عهد القضاة وبدأ عهد الملوك، فيزعمون أن صموئيل عليه السلام  ــ وحاشاه ــ أنه قد أمر شاول (طالوت) بتلك الأوامر المروّعة! وحاشا طالوت, كذلك فالله تعالى قد مدحه بالعلم "وزاده بسطة في العلم والجسم" [البقرة: 247].
(2)   وهي مدن قوم بلعام بن باعوراء.
(3)   أما في الإسلام فهناك تشديد وصرامة على الجيوش الإسلامية بعدم التعرض للأطفال والنساء والشيوخ والضعفاء والمرضى والمنقطعين في الصوامع والبهائم والزروع، وسيأتي في الباب الثاني بمشيئة الله تعالى.
(4)   عن المسيحية،ساجد مير, ص311.
(5)   قال الله تعالى: "أم لم ينبأ بما في صحف موسى . وإبراهيم الذي وفّى . ألّا تزر وازرة وزر أخرى" [النجم: 36ــ 38].
(6)   عن المسيحية، ص312.
(7)   أي ساحة المسجد الأقصى.
(8)   تاريخ الحروب الصليبية، ستيفن رنسيمان (1/ 404ــ 406).
(9)   فأين الفروسية والمبادئ والقيم والنبل والأخلاق؟!.
(10)   الحضارة الغربية، غوستاف لوبون، ص325.
(11)   السابق، ص336.
(12)   ولا زالت بشاعة ودموية الحروب الصليبية إلى زماننا، ويشهد لذلك فعل الجند الصليبي في العراقيين والأفغان العزّل.
(13)   كان لهذا القائد الفذ العظيم صيت حسن في أرجاء موافقيه ومخالفيه، فقد بهر أعداءه بعدله ولطفه ورحمته تارة، وأخرى بقوته وحزمه وسطوته؛ حتى أن الأمهات في الريف الأوروبي كُنَّ يخوفن صبيانهن بصلاح الدين، لما له من صيت ومهابة في أوروبا.
(14)   وبالطبع فالغرض هو طمع مادي بحت وتمالؤٌ وضيع بين الكنيسة والحكام، وهذا من أكبر أسباب تفجر الثورات فيما بعد وصياح العامة: اشنقوا آخر حاكم بأمعاء آخر قسيس.
(15)   وغفلت الكنيسة عن أعظم الإلحاد وهو التثليث والتأليه لغير الله تعالى والإشراك معه ومسبّته بأن له صاحبة وولدًا! سبحانه وتعالى.
(16)   وقد أكره كثير منهم على ذلك، فمنهم من صبر واستشهد قتيلًا على أيدي الظلمة والطغاة، ومنهم من أجاب لذلك ظاهرًا، ولكن مع الوقت وتتابع الأجيال اللاحقة ذاب أولاد أولئك مع الأسبان والبرتغاليين النصارى فصاروا من جملتهم، يشهد بذلك كثير من الأسبان والبرتغاليين الذين لازالوا يذكرون أنهم من سلالة المسلمين الفاتحين كما في وثائق أنسابهم. وهذا الفعل الجائر صادر ممن يدعون اتباع المسيح الذي دعا للتسامح والرحمة، علمًا بأن الإسلام لا يجيز إكراه الناس على اعتناقه بل بالإقناع الحسن: "لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي" [البقرة: 256]، "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء" [القصص: 56]، "وما على الرسول إلا البلاغ المبين" [النور: 54]، "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتي هي أحسن" [النحل: 125]، "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" [يونس: 99].
فالإسلام يهدم الوثن الذي في القلب قبل أن يهدمه على الأرض. والإسلام له النصيب الكامل من اسمه فهو دين السلام في الدنيا والآخرة.
وفتح البقاع بالسيوف المسلمة لا لإكراه البشر على اعتناقه, بل لإزالة الحواجز المعنوية والحسية بينه وبين القلوب الظامئة للحقيقة والهدى, وللحديث صلة.
(17)   وكانت هذه الفرقة المضطهدة تنكر صلب المسيح عليه السلام  وما ترتب على ذلك من قيامه من الأموات ونحوها.
(18)   وانظر: المسيحية، ص301ــ 319 فقد وثق ما ذكرناه عنهم بمصادر إنجليزية.
(19)   قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «لا تنزع الرحمة إلا من قلب شقي» رواه أبو داود والترمذي، وقال: «من فرّق بين والده وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» رواه أحمد، وقال: «من لا يرحم لا يُرحم» رواه الشيخان، وقال: «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» رواه أبو داود والترمذي، وقال: «ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم» رواه أحمد. وقال: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» رواه الشيخان، فصلى الله وسلم وبارك على من بعثه الله رحمة للعالمين.
(20)   وبما أن اليهود قد تربّوا على هذه التعاليم المبدلة الدموية فلا غرابة في مذابحهم ضد المسلمين ومنها المذابح التالية:
شرفات (1951م، بيت جالا (1952م) قبية (1953م)، غزة (1955م)، شاطئ طبرية (1955م)، غزة (1956م)، كفر قاسم (1956م)، دير ياسين وغرندل (1956م)، واستمرت المذابح إلى يومنا هذا مرورًا بمذبحة غزة (2008ــ 2009م) عليهم من الله ما يستحقون.
(21)   ترجمتها سميرة عزمي الزين، ضمن منشورات المعهد الدولي للدراسات الإنسانية.
(22)   وماذا ننتظر من أحفاد أولئك الغزاة، فها هي أمريكا البروتستانتية ما فتئت إفساداً وتخريباً منذ نشأتها الحديثة واستقلالها عن الغزو والتدمير وتسعير الحروب والفتن في أركان الأرض الأربعة! والعجب أن هاجس غزو أمريكا من قبل أعداءها لا زال مسيطرًا على أدبيات كتّاب تلك الأمة، فهل هذا الخوف الكامن في الضمير الباطن لأولئك سببه قيام أمتهم على أشلاء الأبرياء المسالمين؟!.
(23)   ويأتينا اليوم من يعيّر بعض قبائل أدغال أفريقيا البدائية بأنهم أكلة لحوم بشر! يا للعجب!!.
(24)   ومما ذكره: أنهم إذا قبضوا على رئيس القرية قيدوه ثم أحرقوه حتى الموت في مكان عام وسط القرية!.
(25)   وفي مقال قادم في موضوع دفع شبهة انتشار الإسلام بالسيف مزيد أمثلة بإذن الله تعالى.
(26)   المسيحية، ص318.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق