إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 7 ديسمبر، 2012

هل انتشر الإسلام بحد السيف؟! (2/ 2)


سلسلة حلقات كشف الشبه عن الإسلام: الجزء الأول

هل انتشر الإسلام بحد السيف؟! (2/ 2)

    الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله وصحبه, وبعد:

    فلنا عشر وقفات خاتمة لما أسلفناه من حروف حيال هذا السؤال: هل انتشر الإسلام بالسيف:

    الأولى: حين سقطت الأندلس بيد النصارى أصدر البابا قرارًا بتقسيم أرض الكفار ــ ويعني بهم المسلمين ــ إلى دولتين هما أسبانيا والبرتغال (وأصل تسميتها من الكلمة العربية أرض البرتقال حسب تسمية المسلمين) وقامت محاكم التفتيش بأفعال وحشية ضخمة للقضاء على بقايا الإسلام في الأندلس بمنتهى البشاعة، فاستـخدمت أقسى وأبشع وسائل التعذيب في تاريخ البشرية لمطاردة الإسلام في كل شبر من أرض ما صار يسمى أسبانيا والبرتغال، حتى صارت الهينمة في جوف الليل مبررًا لدخول رجال التفتيش أي بيت تسمع فيه لأن ذلك الصوت هو صوت قراءة القرآن الكريم سرًا في الصلاة في هدأة الليل، وصار وجود حمام في أي بيت يدخله رجال التفتيش مبررًا لصب أنواع التعذيب على أهله؛ لأن الحمامات داخل البيوت كانت في ذلك الوقت من خصائص المسلمين لنظافتهم وطهارتهم وسترهم وحيائهم، ومع هذا التقطيع العرقي الديني ــ وليس التطهير ــ والتهجير والقتل والعسف والإكراه فقد استغرق الأمر مئتي عام حتى تكون الأندلس نصرانية خرافية ضالة بعد أن كانت حنيفة مسلمة مهتدية، وتم إعلان ذلك عام (1492م).

    وبعد سقوط الأندلس شجع البابا النصارى على متابعة المسلمين خارج الأندلس بنية القضاء على الدين الإسلامي في كل الأرض، ولكن بعد مشيئة الله ثم وجود الدولة العثمانية القوية في الشرق فقد حيل بينهم وبين ما يشتهون، فحالت تلك الدولة العثمانية دون اتجاههم لبيت المقدس وقتل مسلمي شمال أفريقيا والشام والأردن والجزيرة العربية، فحاولوا الالتفاف على العالم الإسلامي من أقصاه، وكانت البرتغال أول دولة استجابت للبابا وسارعت إلى تنفيذ مكره؛ ففي سنة (1497م) قام فاسكو ديجاما برحلته الشهيرة التي أعلن بعدها كشفه طريق رأس الرجاء الصالح ــ وقد كان هذا الطريق معروفًا لدى المسلمين منذ قرون! ــ وبمعاونة البحار العربي المسلم ابن ماجد وعلى هدي الخرائط الجغرافية الإسلامية للشواطئ الأفريقية والآسيوية، فدار حول إفريقيا متجهًا نحو الشرق حتى وصل إلى جزر الهند الشرقية، وهناك قال قولته الصليبية الشهيرة عند وصوله لتلك الجزر: الآن طوقنا عنق الإسلام ولم يبق إلا جذب الحبل ليموت. ثم تتابعت رحلات الكشوف العلمية ــ المُدّعاة ــ التي مهدت للاستعمار الصليبي للعالم الإسلامي، ولما برزت القوميات الأوروبية تلبّست الروح الصليبية تجاه المسلمين فأصبح التنافس على استعمار البلاد الإسلامية ونهب خيراتها، وتنصير أهلها، وحتى حين أصبحت تلك القوميات علمانية تمامًا لم يؤثر ذلك على صليبية الحملات الاستعمارية لأن الروح الصليبية صارت شيئًا قائمًا بذاته لا علاقة له بتدين أصحابه، إنما هي كراهية وحقد للإسلام والمسلمين لا لتدين الأوروبيين ولكن عداءً للمسلمين ودينهم بوصفهم أعداء الأوروبيين. (وانظر: مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب (ص567ــ 569)، الإسلام على مفترق الطرق، ليوبلد فايس ــ محمد أسد ــ(ص52ــ 59).

    إن التاريخ ليقف ساخطًا كارهًا متبرءًا من أفعال النصارى في تلك الحقبة، ومن خزايا الكنيسة ومحاكم تفتيشها ما قرروه بقانونهم: «يحق لمحكمة التفتيش إذا أصر المتهم على إنكار أي تهمة أن تقطعه أشلاءً شلوًا بعد شلو أمام عينيه، وأن تقرض لحمه بالمقراض، وأخيرًا تحرقه» (حرية الفكر، سلامة موسى: 62). «وكانت المحكمة عبارة عن سجون مظلمة تحت الأرض بها غرف خاصة للتعذيب، وآلات لتكسير العظام وسحق الجسم البشري، وكان الزبانية يبدأون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين تدريجيًا حتى يهشم الجسم كله ويخرج من الجانب الآخر كتلة من العظام المسحوقة والدماء الممزوجة باللحم المفروم، وكان لدى المحكمة آلات تعذيب مروعة منها آلات على شكل توابيت تثبت فيها سكاكين حادة فيلقون الضحية في التابوت ثم يطبقونه عليه فيتمزق جسمه إرْبًا إربًا، وآلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب أو أثداء النساء ثم تشد فتقصه أو تـخلعه أو تقطعه!! وصور أخرى مروعة». (وانظر: التعصب والتسامح، محمد الغزالي (ص311ــ 318)، أسبانيا أرضها وشعبها، الفصل الثامن، دوروثي لورد، عن: العلمانية، د. الحوالي (ص131، 132).

    الثانية: قارن شناعات النصارى بكريم أخلاق المسلمين. ذكرت المؤرخة النصرانية كارين آرمسترونج في كتابها (القدس مدينة واحدة وثلاث عقائد) الفصل الثالث عشر: «ظهر التراحم التوحيدي في فتح عمر بن الخطاب لبيت المقدس، ودون إراقة نقطة دم واحدة، أو إحراق للرموز الدينية، أو نزع ملكية، أو إجبار أحد على اعتناق الإسلام، أو طرد أحد» ثم مدحت في (ص482) الفتح الإسلامي السلمي على يد صلاح الدين الأيوبي، وذكرت بكاء صلاح الدين وهو يرى بؤس الأسر المسيحية تحت الحكم الصليبي، وقيام شقيقته بعتق ألف أسير مسيحي من مالها الخاص».

    وبالمثل تكلمت إيريس حبيب المصري في كتابها (قصة الكنيسة القبطية) عن الفتح الإسلامي لمصر، وفي الكتاب الثاني (ص208) وقالت: «انسحب الجيش البيزنطي من أمام المسلمين إلى الإسكندرية، ووقف القبط موقفًا سلبيًا يتفرجون على الحوادث دون أن يتعرض لهم المسلمون، وكان البيزنطيون (النصارى الأوروبيون المحتلون لمصر) يستنزفون دماء المصريين» وفي (ص212، 213): «وبعث عمرو بن العاص إلى بطريرك الأقباط ليعود إلى مقره من منفاه... ولم يطالبهم عمرو بغير الجزية، وألغى الضرائب الفادحة التي فرضها أباطرة القسطنطينية (النصارى) على المصريين (النصارى) بلا رحمة وبلا تسامح معهم» (نقلًا عن: رد شبهات النصارى على الإسلام، الشماس المصري السابق د. وديع أحمد فتحي (ص147، 148) مع ملاحظة أن ما بين الأقواس للتوضيح وليست من صلب الكتاب).

الثالثة: دندنة أعداء الأمة وتكرارهم ما نسجته أيدي مخابرات أمريكا بحادثة برجي التجارة في الحادي عشر من سبتمبر فلا نسلم لهم بحكاية الحكومة الأمريكية في زعمها أن المسلمين هم من فعلوا ذلك ببرجي التجارة العالميين, فالمعطيات المقدمة لا تصمد لأدنى مساءلة، والأدلة المطروحة لا تكفي لقتل قطّة، فما بالك من الانتقام من شعوب بأكملها؟! والأظهر أن هذا من تلفيق الحكومة الأمريكية فهي من فعلت ذلك وهي من زرعت الأدلة الواهية، وقد شكك في روايتها كثير من السياسيين والإعلامين والمفكرين والعامة، ومن أبسط قواعد التحقيق في القضايا: ابحث عن المستفيد من الجريمة أولًا، والجميع يعلم أن الحكومة الأمريكية لها فوائد كبيرة وغنائم كثيرة من جراء تصديق الناس لدعواها، وهي التهمة التي تستطيع مخابراتها إلصاقها بسهولة فيمن شاءت، ثم تدير آلتها الإعلامية الضخمة من زوايا عدة حتى تشكل تصوّر المتلقي ليصدّق هذا الزيف! ويستمر الكذب حتى ينسى الكاذب أنه كذب، وشعاره: ما أريكم إلا ما أرى، ثم من المعلوم بداهة في إجراءات الترافع والدعاوى أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وليس بالدعوى فقط يكون إيقاع العقوبة، والعقلاء وقافون عند حدود التهم ولا يلغ في العقوبة قبل الثبوت إلا ظالم كيف وقد قال مدير المخابرات الأمريكية الأسبق جورج تينيت في مذكراته: إن بوش دخل البيت الأبيض وقرار غزو العراق في جيبه!

    ثم إن هاهنا مسألة أخرى، وهي أن الأمة لا تؤاخذ بجريرة بعض أفرادها ــ هذا مع التنزل بما يوصم به بعض أتباعها من ذلك ــ ومن محكمات التنزيل عندنا: "أم لم ينبأ بما في صحف موسى . وإبراهيم الذي وفى . ألا تزر وازرة وزر أخرى" [النجم: 36ــ 38]، والبشر لا يتفقون على نفسية واحدة، ولا عقلية متقاربة، ولا سجية متحدة، بل خلقهم الله تعالى مختلفين، والإسلام يهذب النفوس مهما كانت شراستها وشدة طباعها، مع ذلك فالعجب أن يخرج بعض المنتسبين إليه من أبنائه ويفعل أشياء يكون محركها الأول ردة فعل لمظالم وفجائع يراها بعينه، ومهما يكن من أمر، وبغض النظر عن قضية بعينها فالإسلام بريء من كل ظلم وتعدي وخيانة وغدر وقتل للمدنيين العزل وإرهاب للأبرياء، فالملوم هو من خرج عن تعاليم الإسلام الربانية السمحة، وليس الملوم هو الإسلام.

    الرابعة: التاريخ يؤكد سماحة الإسلام مع غيره ورحمة أبنائه بمخالفيهم, ولا يضاهيهم غيرهم في رحمة بني الإنسان. من أمثلة ذلك ما كتبه عنه المؤرخ أوليري: «التاريخ يؤكد بوضوح عدم صحة الأسطورة القائلة بأن المسلمين المتعصبين قد صالوا وجالوا في العالم وفرضوا الإسلام على الناس بالسيف، أسطورة وهمية منافية للعقل ظل المؤرخون يرددونها» (الإسلام في مفترق الطرق، أوليري : 8). وقال: «كم ذا تمنيت أن يكون الإسلام هو سبيل العالم». وقال الدكتور راغب السرجاني عبر موقعه قصة الإسلام, مسلطًا الضوء على تلك المقولة ومفندًا لها بلغة الأرقام ــ باختصار وتصرف بسيط ــ: «لو قمنا بإحصاء عدد الذين ماتوا في كل الحروب النبوية ــ سواء من شهداء المسلمين أو من قتلى الأعداء ــ ثم قمنا بتحليل لهذه الأعداد، وربطها بما يحدث في عالمنا المعاصر، لوجدنا عجبًا! لقد بلغ عدد شهداء المسلمين في كل معاركهم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ وذلك على مدار عشر سنوات كاملة ــ (262) شهيدًا تقريبًا، وبلغ عدد قتلى أعدائه (1022) قتيلًا تقريبًا، وبذلك بلغ العدد الإجمالي لقتلى الفريقين (1284) قتيلًا فقط!

    وبحساب نسبة القتلى إلى عدد المقاتلين نجد أن شهداء المسلمين (1%) فقط، والأعداء (2%) فقط، وبذلك تكون النسبة المتوسطة لقتلى الفريقين (1.5%) فقط! وهذه النسب الضئيلة جدًا في معارك كثيرة بلغت (25) أو (27) غزوة، و(38) سرية، أي أكثر من (63) معركة لمن أصدق الأدلة على عدم دموية الحروب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكي تتضح الصورة بشكل أكبر وأظهر فقد قمت بإحصاء عدد القتلى في الحرب العالمية الثانية ــ كمثال لحروب الحضارات الحديثة ــ فوجدت أن نسبة القتلى في هذه الحرب الحضارية بلغت (351%)!! فالأرقام لا تكذب؛ فقد شارك في الحرب العالمية الثانية (15.600.000( جندي، ومع ذلك فقد بلغ عدد القتلى (54.800.000) قتيل! أي أكثر من ثلاثة أضعاف الجيوش المشاركة، والسبب هو أن كل هذه الجيوش المتحاربة كانت تقوم بإبادة المدنيين، وإسقاط آلاف الأطنان من المتفجرات على المدن والقرى الآمنة فتبيد البشر فضلًا عن تدمير البنى التحتية وتـخريب الاقتصاد وتشريد الشعوب، فأين هذا من رحمة الإسلام؟!».

    لقد حكم المسلمون الأندلس لمدة (736) سنة، مع ذلك لم يكرهوا أحدًا من النصارى ولا اليهود ولا غيرهم على الدخول في الإسلام، وحكموا الهند قرابة (1000) سنة، ولم يُكرهوا الهندوس والبوذيين وبقية الوثنيين عليه، فشعارهم: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" [البقرة: 256]، ونقول لمن وصف المسلمين بإكراه غيرهم باعتناق الإسلام تأمل في البقاع التي حكمتها أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقس حالهم بإنصاف مع غيرهم. في الحبشة بلغ المسلمون (55%) على الأقل من السكان قبل ضم أريتريا ــ عنوة ــ إليها، وأريتريا كلها مسلمون، فكيف عاملتهم الدولة النصرانية المتسلطة عليهم؟ ــ في وقت هيلاسلاسي ــ.

    لا يوجد في الدولة وزير مسلم واحد يمثل أغلبية السكان، ولا موظف واحد من كبار الموظفين، ومدارس الدولة تمنع تعلم القرآن الكريم في مدارسها، وحين يفتح المسلمون الكتاتيب الخاصة الأهلية لتعليم القرآن الكريم تضع الدولة عليهم الضرائب الثقيلة حتى يغلقوها، ويُمنعون من تلقي معونات إنسانية وخيرية من الخارج، وإلى عهد غير بعيد كان المسلم إذا استدان من النصراني وعجز عن الوفاء استرقه النصراني! وقد وقف هيلاسلاسي في هيئة الأمم المتحدة وألقى خطابًا أعلن فيه أنه خلال اثني عشر عامًا لن يكون في الحبشة إلا المسيحية فقط! ــ وخسأ الظالم ــ. وذهب الطاغية وبقي الإسلام.

    ولا زال المسلمون من أهل أثيوبيا يعانون الاضطهاد والتضييق والظلم من حكومات النصارى المتعاقبة.

    والفلبين كانت يومًا ما أرضًا إسلامية، وعاصمتها مانيلا كانت تسمى (أمان الله) فغزاها أهل الصليب، وحكموها قهرًا بالحديد والنار، وعاملوا أهلها أسوأ معاملة، فقد ظلوا يطاردونهم ويخرجونهم من أرضهم وديارهم وأموالهم حتى حصروهم في قطاع صغير، ثم سموهم متمردين فاستباحوا قتلهم، وتحريق مزارعهم، بل تحريق أجسادهم شفاء للحقد الصليبي المتأصل في نفوسهم.

    والهند حكمها المسلمون وعاش أهلها في كنفهم في سلام وأمان، ولم يضطهدوهم ولم يكرهوهم على الإسلام مع أنهم يعبدون البقر والأوثان، ولم يمنعوهم سوى من عادة قبيحة بشعة وهي إحراق الأرملة حية مع زوجها المتوفي ــ وهذا ما حفظه أحرار الهند لهم ــ. فلما حكمها الهندوس لم يعاملو المسلمين بالمثل بل انقلبوا عليهم بتنكيل بشع وظلم، فلا تنقطع أخبار الشغب ــ كما تسميه الدولة الهندوسية ــ عن طريق هجوم الهندوس على القرى الإسلامية فيحرقوها على أصحابها ويقتلوا منهم ما نالته أيديهم، فيهب المسلمون لرد العدوان فتقتلهم الشرطة وتودعهم السجون بتهمة إثارة الشغب! بل صرح رئيسهم نهرو ــ والحكومة اليوم على خُطاه ــ فقال: إن حق تقرير المصير حق لكل الناس إلا في كشمير!

     أما فلسطين فشاهدة حية ناطقة بالتحالف الكتابي على أهلها المسلمين.

    قال الزعيم الألماني الفوهلر هتلر في كتابه "كفاحي": «أعتقد أن الذي استطاع أن يتعامل مع اليهود ويكسبهم ويشل حركتهم في نفس الوقت هو رسول الإسلام محمد، الذي فهم ما تدور به عقولهم وقلوبهم، لذا كان محمد حريصًا منهم حريصًا عليهم ليبلغ رسالته، فاستقطبهم بطريقته التي لم ولن يصل إلى رتبتها أحد، فالتعامل مع اليهود مشكلة غير عادية، إنهم لا يستحقون الحياة، إلا أن محمدًا كان واسع الصدر، يملك منطقًا غير عادي، تأكدنا منه لتعامله معهم بالود الذي لم يألفوه، وبالقوة التي شهدوها... أعتقد أنه لو كان محمد في عصرنا هذا ما فعل ما فعلت مع اليهود، لكنهم لا يستحقون إلا ما قمت به معهم» (عن الإسلام ورسوله: 103).

    وإن تعجب فعجب فعل النصارى معهم بتوطينهم في فلسطين لما ركبهم اليهود، وأوهموهم أنه لابد من بناء الهيكل المزعوم ــ حتى ينزل المسيح ــ ولم يعلموا أن مسيح اليهود هو الأعور الكذاب.

    وقال إيليا أبو الروس في كتابه (اليهودية العالمية وحربها المستمرة على المسيحية) (ص49): «وتاريخ اليهود حافل بتعصبهم اللئيم ضد المسيحيين وسائر الأديان، ففي سنة (135م) حاولوا بقيادة باركوخبا المسيح الدجال إقامة مملكة، وذبحوا المسيحيين في القدس، وفي القرن السادس تجمعوا وأقاموا ملكًا مع السامريين وقتلوا المسيحيين، وفي أوائل القرن السابع ذبحوا المسيحيين في القدس وسائر فلسطين برعاية الفرس طمعًا في إقامة حكم ذاتي لهم، كل ذلك من أجل دولة يقيمونها على سفك الدماء والسرقة والغش، فباؤوا بفشل ذريع، وتشتتوا في أنحاء الأرض. «لأن أعمالهم أعمال إثم وفعل الظلم في أيديهم. وأرجلهم إلى الشر تجري وتسرع إلى سفك الدم الزاكي. أفكارهم أفكار إثم. في طريقهم اغتصاب وسحق. طريق السلام لم يعرفوه. وليس في مسالكهم عدل. من أجل ذلك ينتظرون نورًا فإذا ظلام» (أشعيا 59: 6ــ 9).

    إن الإسلام حيث يدعو للجهاد لا يقاتل من أجل فرض عقيدته على الناس وهم كارهون، ولكن يقاتل لإزالة القوى الجاهلية المانعة من وصول الحق إلى الناس، دون حواجز نفسية أو حسية مادية. لقد فتح المسلمون مصر فدخلت الإسلام بسلام، وفتحو الأندلس فدخلت في الإسلام بسلام، حتى اليهود كانت الأندلس الملاذ الآمن لهم من بطش النصرانية الصليبية.

    فدينهم العظيم يأمرهم بالحسنى، قال تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" [النحل: 125]، وأمرهم تعالى بمجادلة أهل الكتاب من اليهود والنصارى بالتي هي أحسن خلا الظالمين: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم"  [العنكبوت: 46].

    ومن التطبيقات الإسلامية لقوله تعالى: "لا إكراه في الدين" [البقرة: 257] ففي سنن البيهقي عن أسلم قال: لما كنا بالشام أتيت عمر بماء فتوضأ منه، فقال: من أين جئت بهذا فما رأيت ماء بئر ولا ماء سماء أطيب منه؟ قال: قلت: من بيت هذه العجوز النصرانية. فلما توضأ أتاها فقال: أيتها العجوز أسلمي تسلمي، بعث الله بالحق محمدًا صلى الله عليه وسلم. قال: فكشفت رأسها فإذا مثل الثغامة (أي أن شعر رأسها قد ابيض كله كالسحابة البيضاء) قالت: وأنا أموت الآن. قال: فقال عمر: اللهم اشهد" سنن البيهقي (1/ 32) فعمر لم يستـخدم عليها ولا على غيرها أي وسيلة إكراه أو ضغط ولا تهديد ولا تعذيب، بل بالنصح والكلمة الطيبة، وهذا شأن دعاة أهل الإسلام أيها المنصفون.

    وتأمل قصة إسلام ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة حينما أسرته خيل المسلمين فأبقاه النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ثلاثة أيام وكان يعرض عليه الإسلام عرضًا كريمًا، وكان يرفض الإسلام فأطلقه بلا قيد أو شرط، فلما خرج من المسجد ذهب إلى نخل قريب فاغتسل وعاد معلنًا إسلامه اختيارًا وقناعة. والقصة بطولها في البخاري (450)، مسلم (1764).

    وقد قال أبو سفيان ــ بعد أن حارب الإسلام عشرين سنة ــ ثم هداه الله للإسلام ــ مخاطبًا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت» (الوافي بالوفيات، الصفدي: 1/ 2240)

    الخامسة:  قد يتعلّق بعضهم بحد الردّة, وقتل المرتد إن لم يعد للإسلام _وسيأتي بسط الكلام فيه استقلالاً في ما يُستَقبل إن شاء الله_ ونوجز القول فيه هنا فنقول:

     إن كان المرء قد دخل في الإسلام ثم خرج منه فهذا من الهزء بالدين، وهذا مما يزعزعه في نفوس الناس فيهلكوا، لذا وجب حسم مادة الفتنة بقطع دابرها والتشديد على من أراد هدم الملة من الداخل، وهذا أعظم جرمًا من الخيانة العظمى عند السياسيين فالدين أعظم من الملك. ونحن أمام مسلم ارتكب جريمة معينة هي الردة، ولسنا أمام يهودي أو نصراني نريد إكراهه على تبديل دينه وحمله كرهًا على الإسلام، والإسلام شرع الجزية وعقد الذمة وفي ذلك إقرار لغير المسلم على البقاء على دينه, أما المرتد فقد نقض العقد وارتكب الخيانة العظمى.

السادسة: المسلمون إذا أعطوا أعداءهم عهدًا فإنهم يوفون به ولا ينقضونه ولا يغدرون، ممتثلين أمر الله تعالى: "وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً" [الإسراء: 34] وقول نبيهم صلى الله عليه وسلم: «اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا ولا شيخًا ولا امرأة». رواه مسلم.

    فالمسلمون يشددون على العقد ولا ينقضونه، أما من خافوا خيانته من الأعداء فإنهم يردون عليه عهده علانية حتى لا يكون مغدورًا، قال تعالى: "وإما تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين" [الأنفال: 58]. والمعنى: أن من خفتم خيانتهم ممن بينكم وبينهم عهد, فلا يحل لكم أن تغدروا بهم, بل أرسل إليهم بفسخ العهد أولاً حتى يكونوا على بينة وجلاء من أمرك وأمرهم, ليأخذوا أُهبتهم فلا يُغدرون.

    وقد أعطى معاوية رضي الله عنه عهدًا للروم إلى أمد محدود، ثم جاءته عيونه تـخبره أن القوم يستغلون الهدنة للانقضاض على المسلمين ويستعدون لذلك، فاستشار مستشاريه من علماء الإسلام فقالوا: إمّا أن ترد إليهم عهدهم وتـخبرهم بفسخه حتى لا تبغتهم، وإما أن تنتظر إلى نهاية العهد، والله ينصرك بالطاعة والوفاء، فانتظر حتى نصره الله.

    وقارن ذلك النبل والكرامة بغدر الصليبيين بعهدهم مع صلاح الدين، ومباغتتهم المسلمين ونقضهم العهد والميثاق، فقتلوا المسلمين وأثخنوهم، فاحتمى المسلمون بالمسجد فقتلوهم فيه حتى غاصت الخيل إلى الركب من الدماء... فلما استدار الزمان ودالت الدولة وانتصر صلاح الدين أبى عليه دينه وإسلامه أن يشفي غيظه منهم بالانتقام فأحسن إليهم! ولم يغدر قط بميثاق واحد أعطاه لهم، في مثال شامخ على سماحة الإسلام ونبله وكرمه وعمقه. (وانظر: مذاهب فكرية، محمد قطب: 591ــ 602).

    وتأمل وفاء المسلمين لأهل ذمتهم في حال الهزائم العسكرية، فحين أسر التتار في هجومهم على بلاد الشام بعض المسلمين واليهود والنصارى, ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ومعه ثلة من العلماء إلى سيد التتر غازان ــ في محاورة عظيمة جليلة ــ فسمح غازان بعدها بإطلاق أسرى المسلمين دون اليهود والنصارى, فقال شيخ الإسلام: بل تطلق جميع من أخذت من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا فإننا نفتكهم، ولا ندع أسيرًا لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة، فأطلقهم له.

    السابعة: نقول للذي يزعم أن الإسلام انتشر بالسيف: كيف يستقيم ذلك ونحن نرى الإسلام اليوم هو أسرع الأديان انتشارًا بين أبناء الأمم النصرانية وغير النصرانية خاصة من علية القوم وقادة الفكر، ودهاة السياسة، وأساطين العلم، وليس في أوساط العامة فقط، مع أن المسلمين اليوم يعيشون أضعف مراحلهم المادية والعسكرية؟!

    بل حتى الجيوش التي غزت المسلمين في دارهم قد تأثرت بالإسلام وبحضارته المشرقة؛ فالمغول قد دخلوا فيه واعتنقوه مع أنهم المنتصرين ماديًا وعسكريًا، والصليبيون قد دخل كثير منهم فيه أو عادوا لوطنهم بفكر منفتح حر بعدما احتكوا بالمسلمين.

    فمن ذلك مثلًا على مستوى القادة والزعماء والعلماء النصارى الذين اعتنقوا الإسلام بعد خوضهم الحروب العسكرية أو الفكرية مع أهله وحسن دعوة أهله لهم بحالهم وفعلهم قبل مقالهم وجدلهم: روبرت أوف سانت ألبانس، أحد كبار قادة فرسان المعبد سنة (1185م) وقد تزوج بإحدى حفيدات صلاح الدين، كذلك ابني أخت الملك الإنجليزي ريتشارد قلب الأسد، وقد تركـا معسكـر جيشهمـا إلى معسكر المسلمين والتحقا بجيش صلاح الدين سنة (1192م) (587هــ) كذلك الفارس الصليبي المشهور رانيود الذي أسلم وانضم بفرقته العسكرية إلى المسلمين.

    وفي الحملة الصليبية الأولى انفصلت جماعة كثيرة من الألمان وغيرهم من جيشهم إلى الجيش الإسلامي السلجوقي معتنقة الإسلام.

    وفي الحملة الصليبية الثانية انضمت فرقة كبيرة من الجيش الصليبي قوامها أربعة آلاف مقاتل تقريبًا إلى جيش الإسلام بعد فشل الحملة.

    أما الحملة الصليبية الثالثة فقد ذكر توماس أرنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) أن في تلك الحملة انضمت أعداد غفيرة من جيش الصليب إلى جيش الإسلام، وساق شهادة مؤرخ غربي مرافق لهذه الحملة ومتحسرًا على دخول جموع غفيرة من قومه في الإسلام: «وفريق من رجالنا تراهم يهجرون بني جلدتهم ويفرون إلى الأتراك، فلم يترددوا أن يصبحوا في زمرة المرتدين».

    ومن رجال الدين النصراني البولسي الذين صدقوا مع نفوسهم حين خاطبوها بالإسلام فأسلمت عبد الواحد الصوفي الذي كان قسًا بكنيسة مريم في دمشق سبعين سنة، كذلك فقد أسلم دانيال أسقف خابور في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. وقد أشار توماس أرنولد نقلًا عن بعض المصادر اللاتينية إلى خلو كثير من الأسقفيات القبطية في بداية القرن الثالث عشر الميلادي في مصر من الأساقفة، ومن أمثلة ذلك دير القديس مكاريوس لم يبق منه غير أربعة قسيسن من أصل ثمانية في عهد البطريرك السابق. بل إن أحد رجال الدين الفرنسيسكان المنصرين لما أرسل إلى أفريقيا للتنصير عاد مسلمًا، وقد ذكر توماس أرنولد كثرة اعتناق القساوسة النصارى للإسلام في تلك الفترة.

    أما اعتناق الإسلام من قبل عامة النصارى فإنه لا خلاف أن العراق والشام ومصر وشمال أفريقيا والأندلس وغيرها كانت الديانة الغالبة على أهلها والسائدة على أرضها هي النصرانية قبل ظهور الإسلام، ومع انتشار نوره وضيائه دخل الناس فيه من تلك البلدان حتى أصبح الإسلام هو دين الغالبية، بدون إكراه أو تهجير، بل بالدعوة بالحسنى حتى هجر أكثرهم نصرانيته إلى الإسلام، وقد أسلم على يد ابن الجوزي وحده مئتان منهم.

     وذكر توماس أرنولد أنه بانتهاء القرن الحادي عشر الميلادي انضم إلى أهالي الشام وفلسطين من المسيحيين عنصر جديد يتألف من هذه الجموع الهائلة من الصليبيين الذين كانوا يدينون بشعائر الأمم اللاتينية.. وفي تلك الفترة كانت تحدث تحولات إلى الإسلام بين هؤلاء المهاجرين الغرباء... وكانت أعداد المرتدين عن المسيحية في القرن الثالث عشر كثيرة كثرة تلاحظها في سجلات الصليبيين القانونية التي يطلق عليها مجالس قضاء بيت المقدس، ومما يدل على كثرة اعتناق النصارى للإسلام في تلك الفترة فزع أحد قساوستهم في الشام وإرساله رسائل إلى البابا ورجال الدين في أوروبا, يطلب فيها أن لا يرسلوا الضعفاء والفقراء, لأنهم أكثر عرضة أن يفتنهم المسلمون فيعتنقون الإسلام. (وانظر: دعوة المسلمين للنصارى، الرسالة الناصرية، الأوضاع الحضارية في بلاد الشام في عصر الحروب الصليبية، الدعوة إلى الإسلام، توماس أرنولد. البداية والنهاية، ابن كثير الدمشقي، تاريخ الحروب الصليبية، رحلة ابن جبير، مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب:70ــ 78).

    الثامنة: شهادات منصفة للإسلام من كبار خارج دائرته: قال الزعيم الهندي الشهير مهاتما غاندي في كتابه (ينج إنديا): «أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر، لقد أصبحت مقتنعًا تمام الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، وكلما اطلعت اكتشفت أن قوة الإسلام لا تكمن في السيف»، وقال: «إن نبي الإسلام هو الذي قادني للمناداة بتحرير الهند».

    وسبق نقل قول برنارد شو: «إن رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجة للجهل أو التعصب قد رسموا صورة قاتمة... لكني اطلعت على أمر هذا الرجل فوجدته أعجوبة خارقة، وتوصلت إلى أنه لم يكن عدوًا للمسيحية، بل يجب أن يسمى منقذ البشرية، وفي رأيي أنه لو تولى أمر العالم اليوم لوفق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو إليها البشر».

    وقال: «أرجو أن يفهموا نبوءتي: فالإسلام قادم ليصبح العالم به في حب وسلام، فقد دخل وما يزال يدخل الإسلام كثرة هائلة من بني قومي، ومن الأقوام الأخرى، حتى ليمكن أن يقال: عن تحول أوروبا للإسلام قد بدأ... ولم يسجل التاريخ أن رجلاً واحدًا سوى محمد كان صاحب رسالة وباني أمة ومؤسس دولة، هذه الثلاثة التي قام بها محمد كانت وحدة متلاحمة، وكان الدين هو القوة التي توحده  على مر التاريخ».

    هذا وإبراهيم عليه السلام لم يؤسس مملكة ودولة، كذلك موسى عليه السلام، أما داود وسليمان عليهما السلام فقد ملكا على ممالك سابقة بعد عهد القضاة، والمسيح عليه السلام لم يؤسس مملكة ودولة، أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد أسس مملكة ودولة وشريعة جديدة. وهناك شهادات كثيرة في ذلك وللمزيد انظر مقالي: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    التاسعة: تأمل هذين المشهدين واحكم بنفسك, وهما مثال معبر عن سمات راسخة في الفريقين المُفترقين:

    الأول: حينما قدم وفد نجران النصارى لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في المسجد، فأراد بعض الناس منعهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوهم»، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم. (تاريخ الإسلام، للذهبي: 549).

    الثاني: في الترجمة الحديثة لكتاب الحياة يفسر البطريرك والقسيس قول المسيح في (متى 7: 6): «لا تعطوا القُدُس للكلاب ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير» بأن المقصود: لا تعطوا الأناجيل للمسلمين!

    ولا أعلم كيف يستجيز أحد لنفسه هذا الكلام وهو يعلم أن المسلمين لم يخلقوا أصلًا إلا بعد مئات السنين من تلك الكلمة المشكوك في صحتها أصلًا! ولكن الحقد يفعل أكثر من ذلك.

    إن الأمة المسلمة تمنعها ريادتها الحضارية وكنزها العلمي الإيماني العملي أن تنزل لمستوى يجازي السيئة بمثلها، ففي حين أبت الشهامة المحمدية أن تأخذ عوضًا عن جثة الكافر الذي قاتلهم في الخندق وقتله المسلمون وبذل أهله المال في سبيل الحصول على جثته، فوهبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جثته مجانًا، وفي المقابل نرى أمريكا رأس النصرانية بحربها الصليبية المقدسة! تأبى مبادؤها الجوفاء إلا أن ترمي بجثة المسلم في البحر وتبخل عليها بمتر من الأرض يحويها ــ هذا إن صدقت في روايتها المهتزة ــ ولما أسر المسلمون المصريون ملك فرنسا ومجيّش الجيوش الصليبية لحرب المسلمين، فما تراهم قد فعلوا به؟ لقد أكرموه في سجنه، ولم يهينوه ولم يمنعوه من حاجاته، ثم توّجوا لطفهم بإطلاقه، مع أنه أسير حرب معتدي مستحق للقتل، ولكن الغادر جزى إحسانهم بالسيئة، فأسس حربًا جديدة هي حرب الأفكار والقيم، والغزو الفكري والخلقي للمسلمين الأتقياء.

    وقد أخذ بوصاياه غلادستون ــ زعيم حزب الأحرار البريطاني ــ فقال: ما دام هذا القرآن موجودًا بين أيدي المسلمين فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان. (كما نقله عنه صاحب كتاب قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا أهله: 38).

    وليس هذا فقط فلم تمر الأيام حتى غزاهم نابليون بونابرت بجيوشه وضرب الجامع الأزهر بالمدافع!

     والآن نطرح السؤال الكبير: من هم الأولى بالمسيح حقًا حين يقول_فيما ينسبونه له_: «أحبوا أعداءكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. باركوا لاعنيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم. من ضربك على خدك الأيمن فاعرض له الآخر أيضًا. وكل من سألك فأعطه. ومن أخذ الذي لك فلا تغالبه. وكما تريدون أن يفعل الناس بكم فافعلوا أنتم أيضًا بهم هكذا. وإن أحببتم الذين يحبونكم فأي فضل لكم فإن الخطاة أيضًا يحبون الذين يحبونهم. وإذا أحسنتم إلى الذين يحسنون إليكم فأي فضل لكم فإن الخطاة أيضًا يفعلون هكذا» (لوقا 6: 28ــ 34)؟ وسنأخذ الإجابة من أفواه المنصفين من غير المسلمين فم غير متّهمين في حكمهم هذا بالتحيز:

    قال أرنست رينان: «لقد فهمت، لقد أدركت، ما تحتاج إليه البشرية هو شريعة سماوية تحق الحق وتزهق الباطل، وهي شريعة القرآن».

     وقال الأديب الروسي الشهير تولستوي في كتابه (حِكَم النبي محمد): «إن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة». وقال: «لا يوجد نبي حظي باحترام أعدائه سوى النبي محمد، مما جعل الكثرة من الأعداء يدخلون الإسلام».

     وقال المستشرق الألماني برتلي سانت هيلر في كتابه (الشرقيون وعقائدهم): «كان محمد في دعوته رحيمًا لطيفًا حتى مع أعدائه».

     وقال الكونت كاتياني في كتابه (تاريخ الإسلام): «لقد جاء الرسول محمد بدعوته لينشر في العالم الحب والسلام».

    وقال شاعر ألمانيا غوته: «استطاع رسول الإسلام بحبه للخير أن يجعل دعوته ورسالته تمتد وتنتشر وتضرب جذورها في أعماق النفس البشرية التواقة دائمًا للتعرف على النواحي الإيجابية في الحياة».

     وقال المستشرق الأسباني غوستاف لوبون في كتابه (حضارة العرب): «إن محمدًا رغم ما يشاع عنه من قبل خصومه ومخالفيه في أوروبا، قد أظهر الحلم الوافر والرحابة الفسيحة» وقد تقدم ذكر القول الفريد للمستشرق الأسباني جان ليك في كتابه (العرب): «لا يمكن أن توصف حياة محمد بأحسن مما وصفها الله بقوله: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" [الأنبياء: 107] كان محمد رحمة حقيقية، وإني أصلي عليه بلهفة وشوق».

    وقال الشاعر والمفكر الفرنسي فولتير: «إن الإسلام دين يستحق الإعجاب والإجلال والتقدير، وذلك لأنه جعل زنوج وسط أفريقيا يشعرون بآدميتهم، وجعل سكان جزر البحر الهندي يعرفون أن هناك قوة غير التي اعتادوا عليها». ثم ذكر شائعة انتشار الإسلام بالسيف وفندها بقوله: «هناك شائعات تحاول أن تقلل من قيمة الإسلام ورسوله، والدليل على ذلك أن كثيرين اعتنقوا الإسلام وهم بعيدون عن بلاده وغزواته وفتوحاته، إذن كيف وصلهم السيف الذي يدعيه مؤرخونا وخطباؤنا؟!...إن أقل ما يقال عن محمد: أنه قد جاء بكتاب وجاهد، والإسلام لم يتغير قط».

    وقال برتراند راسل: «لقد قرأت عن الإسلام ونبي الإسلام فوجدت أنه دين جاء ليصبح دين العلم والإنسانية».

    العاشرة: مقارنة عجلى بين تكوين النفسيات البانية للحضارات الإنسانية لأتباع الديانات الثلاث, فمع السكون يسود السلام:

    فنرى الديانة اليهودية قد أكب رجالاتها على المال وجمعه كيفما اتفق، سواءً كان ربًا أو ضرائب أو غشًا أو سرقات للقرابين "ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا" [البقرة: 96]، "ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً" [آل عمران: 75].

    وفي المقابل نرى في الديانة النصرانية الحث على الرهبانية والانقطاع عن الحياة العامة، والانزواء في الصوامع والأديرة، تاركًا حرث الدنيا وعمارة الأرض "ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم" [الحديد: 27]

    ثم نرى في الوسط بين تلك الفئتين الإسلام الحنيف يأمر بالإقبال على الآخرة مع حراثة الدنيا "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الإرض إن الله لا يحب المفسدين" [القصص: 77]، وأمر بالضرب في الأرض وعمارتها وبنائها لتعين على الآخرة لا لتصد عنها، في اتساق بديع باهر "فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه" [الملك: 5]، "كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور" [سبأ: 15] وخفف عن عباده صلاة الليل لينشطوا في الصباح لرزقهم"وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله" [المزمل: 20] بل وضرب الإسلام أروع مثال في الإيجابية وحب العمل والإنتاج والنفع العام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها فإن له بذلك أجر» أحمد والبخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني.

    وتأمل هذه القصة: روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا من الأنصار جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله (أي مالًا) فقال: «أما في بيتك شيء؟» قال: بلى، حلس (جلد) نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء، قال: «ائتني بهما» فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: «من يشتري هذين؟» قال رجل: أنا آخذهما بدرهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يزيد على درهم؟» مرتين أو ثلاثًا، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري وقال: «اشتر بأحدهما طعامًا فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدومًا (حديدة الفأس) فائتني به» فأتاه به، فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عودًا بيده، ثم قال: «اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا»، ففعل، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه خير لك من أن تجيء المسألة نكتة (أي بقعة) في وجهك يوم القيامة، وإن المسألة لا تصلح إلا لثلاث: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم (دين) مفظع، أو لذي دم موجع (دية)» رواه أبو داود.

    وقال فانسان مونتيه أستاذ اللغة في جامعة باريس: «لما قرأت القرآن لأول مرة في حياتي... وعرفت تسامح الإسلام تجاه الديانات الأخرى، أعلنت إسلامي، فشعرت بالراحة في ظلاله... وليس مثل الإسلام دين يدفع إلى الأخلاق العليا والكرامة الإنسانية، لقد اخترت دين الإسلام لأنه دين الفطرة... أخذته دينًا ألقى به وجه ربي». (انظر: القرآن الكريم من منظور غربي، د. عماد الدين خليل: 78).

    وقال مارماديوك (وقد أسلم وتسمى: محمد مارماديوك باكتال)في كتابه (الثقافة الإسلامية): «يمكن للمسلمين أن ينشروا حضارتهم في العالم بنفس السرعة التي نشروه بها سابقًا، يرجعوا إلى أخلاقهم السابقة؛ لأن هذا العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم»

    ختاماً نقول بكل ثقة: إن أمة الإسلام هي أسمى أمة حضارية في التاريخ بلا منازع, وهي أمة الرحمة والسماحة, ولم تسعد البشرية في زمن كسعادتها بدين الإسلام.

    ولتوثيق الأمثلة السابقة مع زيادات انظر: حوارات مع مسلمين أوروبيين، د.الأهدل، آفاق جديدة للدعوة، ومقدمات العلوم والمناهج، أنور الجندي، عظماء ومفكرون يعتنقون الإسلام، محمد طماش، الإسلام في قفص الاتهام، د.شوقي أبو خليل، أمريكا والإسلام تعايش أم تصادم؟ د.عبد القادر طاش، القرآن الكريم من منظور غربي، د.عماد الدين خليل، أوروبة والإسلام، د.عبد الحليم محمود، التنصير والاستعمار، عبد العزيز الكحلوت، الإسلام، د. أحمد شلبي.

    وصلى الله وبارك على إمام المرسلين وخاتمهم نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان وسلم تسليماً.

إبراهيم الدميجي

22 محرم 1434

@aldumaiji

http://aldumaiji.blogspot.com/2012/12/2-2.html

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق