إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 22 أكتوبر 2012

دلائل نبوة خاتم المرسلين عليه الصلوات والبركات والتسليم (2/ 3)


دلائل نبوة خاتم المرسلين عليه الصلوات والبركات والتسليم (2/ 3)
"اشتمال دلائل نبوته على جنسَي العلم والقدرة"
أولاً: العلم
    الحمد لله أولاً وآخراً وبعد:
     فقد سبق في المقال السابق بيان سبق دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء وههنا نذكر بيان جهة جليلة من هذه الدلائل وهي اشتمالها على العلم الباهر المعجز.
فدلائل نبوته صلى الله عليه وسلم قد اشتملت على جنسي العلم والقدرة(1) وهي كثيرة جدًا، فمن باب العلم: الإخبار بالمغيبات المستقبلية في القرآن الكريم وقد تحققت؛ كالإخبار بغلبة الروم فارس في بضع سنين(2) "غلبت الروم . في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون . في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون" [الروم: 2ــ 4]، والوعد باستـخلاف المؤمنين وتمكينهم "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً" [النور: 55]، وعدم قدرة أحد على معارضة القرآن الكريم "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً" [الإسراء: 88]، وإخباره بهزيمة كفار قريش "سيهزم الجمع ويولون الدبر"[القمر: 27]، "ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار" [الفتح: 22]، "لتدخلن المسجد الحرام"[الفتح: 27]، وإلقاء العداوة والبغضاء بين اليهود وأن الله تعالى يبطل مكرهم وكيدهم "وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله"[المائدة: 64]، كذلك بين النصارى أنفسهم "فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة" [المائدة: 14]، والواقع شاهد بتناحر وتباغض اليهود مع بعضهم والنصارى مع بعضهم وتكفير بعضهم بعضًا، وكالإخبار عن اليهود أنهم لن يتمنوا الموت أبدًا، هذا دليل من وجهين:
من جهة إخباره بأنه لا يكون أبدًا، أو من جهة صرفه لدواعي اليهود من تمني الموت مع أن ذلك مقدور لهم، وهذا أمر من أعجب الأمور الخارقة للعادة "ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا" [البقرة: 95]، أي أحرص حتى من المشركين! "ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين"[الجمعة: 7].
    كذلك إخباره بموت الوليد بن المغيرة وأبي لهب على الكفر، وهذا خارق عجيب كالذي قبله(3) مع توفر همتيهما على تكذيبه إلا أنهما لم يُظهرا ضده ولو تظاهُرًا "سأصليه سقر" [المدثر: 26]، "سيصلى ناراً ذات لهب" [المسد: 3]، وأخبر بفتح مكة وخيبر وحرب بني حنيفة وفتح اليمن وفارس والروم والترك "ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون" [الفتح: 16]، "فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم" [الفتح: 20]، "لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً"  [الفتح: 27]، وأن الناس سيدخلون في الإسلام أفواجًا وجماعات "إذا جاء نصر الله والفتح . ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً"[النصر: 1، 2]، وأن المنافقين يعدون اليهود بالنصرة وأنهم لن يوفوا بوعودهم "ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون . لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون" [الحشر: 11، 12].
    وآياته صلى الله عليه وسلم قد استوعبت جميع أنواع الآيات الخبرية والفعلية، وإخباره عن الغيب الماضي والحاضر والمستقبل بأمور باهرة لا يوجد مثلها لأحد من النبيين قبله، فضلاً عن غير النبيين فمن ذلك:
    قام يومًا خطيبًا في أصحابه من الفجر حتى مغيب الشمس فحدثهم بما سيحدث في مستقبلهم من بين أيديهم حتى قيام الساعة (أي من الأمور الكبار والأحداث العظام) حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: «إنه ليكون منه الشيء فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه»(4).
    ومنه إخباره لعدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه ــ وكان نصرانياً حينها ــ بفتح الحيرة، وأن الظعينة سترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تـخاف إلا الله، وبفتح كنوز كسرى وبزمانٍ يُـخرج الرجل صدقته فلا يجد من يأخذها لغنى الناس. والظعينة هي المرأة المسافرة على الجمل، والحيرة في جنوب العراق حاليًا.وقد رأى عدي اثنتين من هذه النبوءات الثلاث في حياته أما الثالثة فحدثت في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
    وقال لعوف بن مالك وهو بتبوك: «اعدد ستًا بين يدي الساعة» فذكر موته عليه الصلاة والسلام وفتح بيت المقدس وموتان واستفاضة المال، ثم فتنة عظيمة، ثم هدنة مع الروم، ثم غدر الروم حتى يأتون تحت ثمانين راية تحت كل راية اثني عشر ألفًا(5) وقد فُتح بيت المقدس بعد موته في زمن عمر رضي الله عنه، ثم بعد ذلك وقع الطاعون العظيم بالشام, وهو طاعون عمواس نسبة إلى قرية عمواس بالأردن، وقد استشهد في ذلك الطاعون أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وخلق كثير رضي الله عنهم ورحمهم.
ثم استفاض المال في عهد عثمان رضي الله عنه، ثم وقعت الفتنة العامة لما قُتل عثمان رضي الله عنه، ولم يبق إلا هدنة الروم وحربهم.
ومنها إخباره بحرب الترك «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك، صغار الأعين حمر الوجوه، ذلف الأُنُف، كأن وجوههم المجانّ الـمُطَرَّقة، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر»(6) ومعنى ذلف: أي مستوي طرف الأنف وليس بحد غليظ، والمجانّ المطرّقة هي التروس، شبهها بها لبسطها وتدويرها وبالمطرّقة لغلظها وكثرة لحمها، والمطرقة هي التي البست الجلود، كشعوب وسط وشرق آسيا.
    قال شيخ الإسلام: «وهؤلاء الطوائف كلهم قاتلهم المسلمون كما أخبر بذلك صلى الله عليه وسلم، وهذه صفتهم التي لو كُلّف من رآهم بعينه أن يصفهم لم يحسن مثل هذه الصفة»(7)
وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه «لن تقوم الساعة حتى تـخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى»(8) وبصرى تقع في جنوب سوريا حاليًا بقرب درعا الأبيّة المجاهدة وبينها وبين المدينة النبوية مئات الكيلوات. وقد خرجت هذه النار ليلة الأربعاء من جمادى الآخرة سنة (654) للهجرة الشريفة، ورآها الناس، ورأوا أعناق الإبل على ضوءها في بصرى الشام(9)
 وقد تتبعت ما حاء في كتاب (أشراط الساعة) للشيخ يوسف الوابل  فأحصيتُ ما يزيد على أربعين آية وعلامة من علامات الساعة الصغرى التي قد حدثت, أي أن أكثرها قد وقع, وأن الأمر قريب والله المستعان, وكلها آيات ودلالات على النبوة.
    وأخبر أن عمار بن ياسر رضي الله عنه تقتله الفئة الباغية(10) وأخبر أن مَلِكَي فارس والروم في عهده لن يخلفهما أحد من قومهما، وأن كنوزها ستنفق في سبيل الله(11) وأخبر أن الحسن سيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين(12) وحدث هذا عام الجماعة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثين سنة، وأخبر بفتح مصر وأوصى أمته بهم خيرًا لأن لهم ذمة ورحمًا(13) وقد قال القس القبطي لما أُخبر بتلك الوصية النبوية: والله ما وصل هذه الرحم إلا نبي. والرحم هو رحم هاجر أم إسماعيل عليه السلام، فهي مصرية، ويقال: إنها كانت بنت ملك في جنوب مصر فاستولى ملك مصر عليه وعلى أهله فاسترق بنته الأميرة هاجر ثم آلت مولاة لسارة زوج إبراهيم عليه السلام.
    كما أخبر أصحابه بعد غزوة الأحزاب «الآن نغزوهم ولا يغزوننا»(14) فكان كما قال؛ فلم تـخرج قريش من مكة للغزو حتى فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لعثمان رضي الله عنه: «إن الله مقمّصك قميصًا فإن أرادوك على خلعه فلا تـخلعه»(15) أي الخلافة وقد حصل ذلك حتى استشهد شهيد الدار ولم يخلع نفسه رضي الله عنه، كما أخبر عنه أنه سيدخل الجنة على بلوى تصيبه(16) فكان كما قال، وأخبر عن الخوارج وخروجهم على علي رضي الله عنه وأن آيتهم أن فيهم رجلاً مخدّج اليد على عضده مثل البضعة تدردر عليها شعرات، وأن هذه المارقة تـخرج على حين فرقة من الناس وأن الطائفة التي تقتلهم هي أولى الطائفتين بالحق(17) فخرجوا بعد وفاته ببضع وعشرين سنة، وأخبر عن الأمراء الذين سيلون أمر المسلمين ويؤخرون الصلاة(18) ويستأثرون عليهم بالمال(19) فكانوا بعض بني مروان, وأخبر أن ابنته فاطمة رضي الله عنها هي أول من سيلحق به من أهل بيته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم(20) وأخبر أن أول زوجاته لحوقًا به أطولهن يدًا ــ أي صدقة(21)ــ فكانت زينب لأنها أكثرهن بذلاً ليدها في الصدقة، وأخبر أن أم حرام سترافق أول جيش للمسلمين يغزون في البحر، وقد تحقق هذا بعد أكثر من ثلاثين سنة بعد وفاته في خلافة معاوية رضي الله عنه، وأخبر أن طائفة من أمته لا تزال ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة(22) وهذا ــ بحمد الله ــ حاصل إلى يومنا هذا فلم يزل في الأمة فئة ظاهرة بالعلم والدين والسيف، وإن غُلبت طائفة في قطر كانت أختها في قطر آخر مظفرة منصورة، وأخبر أنه سيكون في ثقيف كذاب ومبير(23) وقد ظهرا بعده فالكذاب هو المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي كان يزعم أنه يُوحى إليه، والمبير هو الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قتل الناس وسفك الدماء بغير حق، كما أخبر أن الإسلام لا يزال عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش(24) ثم يكون الهرج ــ أي القتل العام ــ وقد وقع هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك(25) ثم وقع الهرج عام (125) للهجرة، ثم تأمل حال أهل الأرض الآن فلا تخلوا نشرة أخبار من قتل في صقع! والمشتكى إلى الله فأكثرهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهي أمة صبر وابتلاء, وأخبر عن كذَّابَيْن يخرجان بعده(26) فخرجا وهما الأسود العنسي في اليمن ومسيلمة الكذاب في اليمامة، وأخبر عن قتل الناس بعضهم بعضًا حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء(27) وحجارة الزيت موضع قرب المدينة, وقد حدث هذا في عهد يزيد بن معاوية في حادثة الحرة الكارثية!
    فهذا وأمثاله كثير جدًا قد أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فوقع طبق ما أخبر ورأى الناس ذلك وانتشر.
    كذلك فقد أخبر بأشياء غيبية في زمانه فكانت مثل ما أخبر، ومن ذلك خبره بعد استعصاء خيبر على الفتح أنه سيعطي الراية غدًا رجلاً يفتح الله على يديه، فكان كما قال والرجل هو علي رضي الله عنه (28) وأخبر عن رجل كان يقاتل في صفه قتالاً شديدًا أنه من أهل النار، فتتبعه رجل فوجده قد أصابته الجراح وأثخنته فقتل نفسه انتحارًا(29) وأخبر عن الظعينة التي معها كتاب تجسس أنهم سيدركونها في روضة خاخ(30) فكان كما قال، وأخبر عن يوم وفاة النجاشي حين مات(31) كذلك خبره عن ملك الفرس، وأخبر أن الأرضة أكلت ما كان في صحيفة الكفار التي تعاهدوا فيها على حصار المسلمين ومن حالفهم، وكانت معلقة في سقف جوف الكعبة(32) وقد أنشأ في شأنها أبو طالب لاميته المشهورة التي قال عنها ابن كثير: هي أفحل من المعلقات جميعًا. وأخبر أنه سيقتل أمية بن خلف بيده(33) وكان كما قال، بل هو الوحيد الذي قُتِلَ على يده, وويلٌ له, وأخبر عمير بن وهب عما تعاقد عليه هو وصفوان بن أمية في حجر الكعبة وتكاتما عليه من إرادة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم فكان على إثرها إسلام عمير(34) كذلك حدّث فضالة بما يدور في نفسه من إرادة اغتياله ووضع يده على صدره فما رفعها حتى صار أحب الناس له، كما أخبر أصحابه عن هبوب ريح شديدة في ليلتهم تلك ــ في مسيرهم لتبوك ــ ونهاهم أن يقوم منهم أحد فهبت الريح وقام منهم رجل فحملته حتى ألقته بجبلي طيء(35) والجبلان هما أجا وسلمى, وأخبر العباس عن ماله الذي استودعه أم الفضل واستكتمها إياه قبل خروجه لبدر، فأسلم العباس على إثر ذلك(36) وأخبر المسلمين عن مشاهد وأحداث مباشرة في نفس الوقت عن معركة مؤتة وكانت بالأردن بينما هو يحدث أصحابه بالمدينة عنها كأنها رأي عين(37).....للحديث صلة.
إبراهيم الدميجي
6/ 12 / 1433
@aldumaiji
http://aldumaiji.blogspot.com/
..............
   (1) الجواب الصحيح (6/ 69 وما بعدها).
   (2) وسبق بيانه.
   (3) وسبق بيانه.
   (4) متفق عليه.
   (5) البخاري (6/ 277).
   (6) متفق عليه
   (7) الجواب الصحيح (6/ 89).
   (8) متفق عليه.
   (9) انظر أشراط الساعة للوابل.
   (10) متفق عليه.
   (11) متفق عليه.
   (12) البخاري (5/ 306).
   (13) مسلم (4/ 1970)
   (14) البخاري (7/ 405).
   (15) الترمذي (5/ 628)، وقال: حسن غريب، أحمد (6/ 65).
   (16) متفق عليه.
   (17) متفق عليه. وكان قتلهم على يد علي رضي الله عنه، وقتلهم على يد أقرب الطائفتين إلى الحق من مفردات مسلم.
   (18) مسلم (1/ 448).
   (19) متفق عليه.
   (20) متفق عليه.
   (21) متفق عليه.
   (22) متفق عليه.
   (23) رواه مسلم.
   (24) متفق عليه، وزيادة «ثم يكون الهرج» عند أبي داود بسند جيد (4/ 106).
   (25) وقد سبق بيان ذلك.
   (26) البخاري (8/ 89).
   (27) الحاكم (4/ 424) ووافقه الذهبي.
   (28) متفق عليه.
   (29) متفق عليه.
   (30) متفق عليه.
   (31) مسلم (2/ 657).
   (32) الدلائل، البيهقي (2/ 311ــ 3159، البداية والنهاية، ابن كثير (1/ 486)
   (33) السيرة النبوية، ابن هشام (3/ 89).
   (34) السيرة النبوية، ابن هشام (2/ 316).
   (35) متفق عليه.
   (36) أحمد. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
   (37) البخاري، (7/ 100).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق