إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 17 يوليو 2012

"بَيْنَ حَضَارَتَيْن"


"بَيْنَ حَضَارَتَيْن"



      الحمد لله الملك العلام, ذي الطول والإنعام, لا يُرام عِزّه, ولا يُضام ملكه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله, أمر بالحق وبه عدل, وشيد الحضارة في القلب والعقل, وحرر البشرية من ربقة العبودية لغير مولاها, ودرب التبعية لسوى رسولها ودليلها المصطفى, ونبيها المجتبى, صلى الله عليه وآله وصحبه ما تعاقب الفرقدان, وتتابع النيران. وبعد:

     فلئن افتخرت أمم بتاريخها, واستطالت بمجدها, فلأمة الإسلام من ذلك الحظ الأوفى, والسبق الأزهى. ألا وإن من المستَغربات غفلة جلّ أبناء الأمة عن ذلك, وجهلهم بباسق ما هنالك, فإن ذكروا الحضارة المدنية فقبلتهم الغرب, وان استلهموا التجريبية أضاعوا الدرب, ولم يتذكروا:

بلغنا السماءَ مجدُنا وجدودُنا  **  وإنا لنرجوا فوق ذلك مظهرا

     وفي هذا المقال سأتناول شيئاً من تيك المآثر, ونحواً من تلك المناظر, علّها تغسل لَوَثَ الإعجاب بالأغيار, وترفعُ من همّة مستحلية العار. وليس في هذا إقراراً لخنوعنا, ولا مجاراة لخمودنا, اللهم غفراً! لكنه من باب قدح زند العزائم, وإيقاظ أشباه النوائم, وإرغام أنف الشامت بالأمة والشائن, وأكثرها نقول عن الأفاضل. والله من وراء القصد, وهو ولي التوفيق.

ونحن قوم لا توسط بيننا  **  لنا الصدر دون العالمين أو القبر


تهون علينا في العالي نفوسنا  **  ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر

 قال العلامة الدكتور سفر الحوالي شفاه الله تعالى وأحسن لي وله وللقارئ الختام,محللًا حضارة أوروبا فيما قبل وبعد الحداثة، ومقارنًا بينها وبين حضارة الإسلام العظيمة ومثبتًا أن المسلمين هم من علّموا أوروبا أصول الحضارة وقيمها، وألهموا إبداعها الصالح دون الفاسد، ووضعوا عقولها على درج التحرر من ربقة التقليد والجمود: «إن الله تعالى قدر أن يكون لهذه القارة الصغيرة ذات البيئة القاسية (أوروبا) أثر كبير في تاريخ الجماعة البشرية كلها وأن تتولى قيادة ركب الغواية في صراعه الأبـدي مــع ركــب الإيمـان الذي قدّر الله أن يكون معتصمه بلاد التين والزيتون وطور سينين والبلد الأمين. والاستكبار على الله والشرود عن دينه الذي بلغت به المجتمعات الغربية المعاصرة غايته لم يأت عَرضًا وإنما هو وليد قرون من الصراع والتـخبط ثم الجموح والتمرد، فقد كان منبت الحضارة الأوروبية من القاع الذي اجتمعت فيه رواسب الحضارات الجاهلية البائدة (سومرية، آشورية، فرعونية، إغريقية، رومانية) بعد تصفية كل الحضارات من آثار النبوات وبقايا الرسالات، حيث استبعدت أو طمست أية إشارة إلى توحيد الله عز وجل وإلى رسله الكرام وكتبه المنـزلة، ونفض الغبار عن الأوثان القديمة وشرك القرون الأولى.

      ذلك أنه في ظل الحضارة الجاهلية الأخيرة (الرومانية) اعتنقت أوروبا نصرانية بولس المنسوبة زورًا إلى المسيح عليه السلام، وحينما أعلن ذلك الإمبراطور قسطنطين سنة (325م) وانتقلت عاصمة الإمبراطورية من روما إلى بيزنطة (القسطنطينية) وشاء الله تعالى أن يلي مرحلة مفجعة من تاريخ أوروبا الغربية وهي المرحلة الممتدة من سنة (410م) ــ أي سقوط روما بأيدي البرابرة ــ إلى (1210م) ــ أي تاريخ ظهور أول ترجمة لكتب أرسطو في أوروبا ــ ثمانية قرون كاملة من التيه والضلال اصطلح المؤرخون الغربيون على تسميتها أو جزء منها عصور الظلمات، وأفاضوا في الحديث عن الانحطاط الكامل حينئذ في الثقافة والعلم والفن وكل جوانب الحياة، إلا جانبًا واحدًا شذ عن ذلك وهو الدين حيث توغلت النصرانية في الممالك البربرية الوثنية، وكان ذلك العصر هو العصر الذهبي لانتشار النصرانية في أوروبا كلها، وأسست كنائس وأنظمة رهبانية جديدة.

      وحدث هذا التناقض الحاد (انهيار الحضارة العلمية وانتشار هائل للدين) وهذا ما أدى لأن يجاهر بعض المؤرخين ومنهم كبير تلك الفترة ادوارد جيبون بالقول: إن سبب انهيار الإمبراطورية الغربية هو تحولها من الوثنية إلى النصرانية، وبالطبع لم تقل الشعوب الأوروبية حينئذ مثل هذا ولكن في اللاشعور ارتبطت الوثنية بالحضــارة والقــوة وارتبط الدين بالهزيمة والانحطاط، وهو ما كان له آثار بعيدة المدى في علاقة أوروبا بالدين ــ أعني دينها ــ أما الإسلام؛ فإنه لما كان الرومان عامة يعدّون كل من عداهم من الشعوب برابرة، ولما كان البابوات ورجال الكنيسة يعدون الإسلام وثنية اتفق الموردان في النظرة القاتمة إلى العالم الإسلامي، وامتـزجت العنصرية القديمة بالحقد الديني الجديد.

     مع أننا لو انتقلنا إلى واقع الحياة الإسلامية حينئذ، وعقدنا مقارنة بين الدينين والحضارتين لوجدنا البون شاسعًا والفرق بعيدًا:

     أولًا: لم يكن لدى أوروبا مركز حضاري يمكن أن يسمى مدينة بالمفهوم السائد عن المدن فيما بعد، وأكبر ما كانت تعرفه هو بيزنطة وروما اللتان لم تكونا سوى قريتين متأخرتين إذا قورنتا بالمدن العالمية آنذاك: بغداد، دمشق، القاهرة، قرطبةالخ.

     ثانيًا: لم يؤلف في أوروبا خلال تلك الحقبة كتاب علمي على الإطلاق، في حين نجد الواحد من علماء المسلمين يكتب العشرات، وربما المئات من المصنفات في فنون المعرفة جميعًا، وإذا كانت أوروبا تعد ظهور ترجمة كتب أرسطو بداية الخروج من عصر الظلمات فإن الفضل يرجع إلى رجل ليس أوربيًا ولا نصرانيًا بل هو ابن رشد المتوفى سنة (1198م). ومن هذا المنطلق العنصري وبتلك الرواسب الجاهلية انتقلت أوروبا ببطء من عصر الظلمات البربري إلى عصر الظلمات الصناعي، وصولًا إلى المرحلة المعاصرة من الظلمات المتراكمة، واستمر القدر الإلهي ألا تعتنق أوروبا الإسلام "وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون" [يونس: 100].

      هذا مع أن أساس نهضتها كان إسلاميًا، وأن العربية كانت لغة العلم فيها إلى القرن الثامن عشر، وأن جامعاتها إنما قامت مجاراة للجامعات الإسلامية. وليت الأمر وقف عند هذا الحد، غير أن ما فعلته أوروبا كان أفظع من مجرد التعصب لوثنيتها وترك الاهتداء بهدى الله، فقد تعدى ذلك إلى العدوان العسكري المتواصل أبدًا على الإسلام وأهله، والوقوف الدائم مع كل عدو لهم وإن كان عابد حجر أو بقر!

     لقد كان إجحافًا أن تنظر أوروبا للمسلمين النظرة إلى البرابرة (القوط، النورمانديين، الفايكنج) بلا أدنى اختلاف، لكن أنكى منه أن تتداعى القارّة طولًا وعرضًا شرقًا وغربًا وتهب هبة رجل واحد لتحرير الأراضي المقدسة من البرابرة الجدد ــ زعمت ــ!

     وهكذا كانت الحملات الصليبية، وكانت الصدمة الحضارية التي لم تنسها أوروبا لحظة واحدة من عمرها:

     1ــ أوروبا التي لا تعرف المدن تحاصر مدنًا هي صغرى في محيط الحضارة الإسلامية لكن بعضها يبلغ عشرة أضعاف روما عاصمة المتحضرين المقدسة!

     2ــ أوروبا التي لم تعرف العلم قرونًا، بل لم تعرف كتابًا إلا الإنجيل، ولا قارئًا إلا القسيس، تذهل للمكتبات الهائلة التي تـختـزنها المدن الصغرى من عامة وخاصة، وفي كل فنون المعرفة من الفلك إلى النقد الأدبي!

     3ــ أوروبا التي لا تستطيع أن تستغفر ربها أو تصلي له أو تقدم له قربانًا إلا بتوسط البابا وكهنته، ولا تستطيع أن تقرأ كتابها المقدس ولا تفسره أو تترجمه إلى لغة حية، تجد كتاب الله الأخير (القرآن الكريم) في الشرع الإسلامي المتحضر يتلوه الملايين في المساجد والبيوت، والكل يعبدون رب العالمين بلا واسطة مخلوق.

     4ــ أوروبا التي يعيش (99 %) من أهلها عبيدًا ورقيق أرض وفلاحين، لا يستطيع أحدهم أن يتنفس الهواء خارج إقطاعيته، وإن حاول ذلك كان عقابه الكي بمياسم عريضة تطبع العبودية على جبينه مدى الحياة، تجد الناس في الشرق الإسلامي يعيشون ويتنقلون أحرارًا في أرض الله الواسعة من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي، ويتاجرون مع جنوب أفريقية والدول الإسكندنافية، وربما مع جزر الكاريبي!

     5ــ أوروبا التي كان أفضل نموذج لوحدتها هو حكومات الكوميون في إيطاليا، تجد الشرق المسلم يعيش أرقى النظم الإدارية في ممالك تبلغ مساحتها مساحة القمر!

     6ــ أوروبا التي يحكمها الأباطرة حكمًا استبداديًا مطلقًا ويعتقد الرعايا أن القيصر من نسل الآلهة، وأن الله هو الذي أعطاه هذا الحق قدرًا وشرعًا، وأورثه السلالة المقدسة تفاجأ بالمسلمين وسلاطينهم من الترك تارة ومن الكرد أخرى، ومن المماليك ثالثة، والكل بشر في نظر سائر البشر.

     7ــ أوروبا الغارقة في الهمجية والوحشية التي تحرق المخالفين وهم أحياء، وتتفنن في تعذيب المنشقين وإذلال المقهورين، ولا تعرف عهدًا ولا ميثاقًا، تبهرها الأخلاق الإسلامية في الحرب والسلم على سواء.

     8ــ أوروبا التي ما كانت تحسب العالم إلا أوروبا، والتي تسمي الوصول إلى شيء من أطراف الشرق اكتشافًا، وظلت هكذا إلى القرن التاسع عشر، فوجئت بالمسلمين يجوبون الدنيا شرقًا وغربًا تجارًا ورحالة ودعاة بكل تواضع وهدوء، لقد وصلوا إلى أجزاء من شمال أوروبا قبل أن تعرفها أوروبا نفسها، هذا عدا العالم الشرقي الهائل السعة بالنسبة لها برًا وبحرًا،وبالمساجد التي اكتشفت في جزر الكاريبي، وصرخ كولمبس حين رآها: «يا إلهي!! حتى اليابان فيها مساجد!» إلا إحدى الشواهد على هذا.

    9ــ أوروبا التي كانت تتداوى بمركبات من الروث والبول وأشلاء الحيوانات، تفاجأ بالعالم الإسلامي زاخرًا بالمستشفيات والمعامل القائمة على منهج التجربة و الاستقراء مع الخبرة والحدس، في التشريح والتشخيص والجراحة وتركيب الدواء، وكل ذلك مدوّن في موسوعات ضخمة ظلّت المصدر الأول لنهضة الطب الحديث، ولا زالت رافدًا متجددًا له.

     والنزعة الإنسانية في الحضارة الغربية مدينة كليًا للحضارة الإسلامية، ولا ينحصر ذلك في الأثر الأدبي كما في اقتباسات أبرز ممثليها وهو دانتي من أبي العلاء المعرّي وابن طفيل، بل يشمل العصر كله، حتى أن الإمبراطور فردريك الثاني ــ وهو أكبر أباطرة القرون الوسطى بإطلاق، ويعتبر لدى بعض المفكرين أول المحدثين ورائد النهضة ــ كان يتكلم العربية، وكان بلاطه عربي العلم واللسان، حتى أنه لما قابل الملك الكامل الأيوبي للصلح لم يحتج إلى مترجم، ولهذا اتهمته الكنيسة بالإسلام، وسمته الزنديق الأعظم!

     أما حركة الإصلاح الديني فلم تولد مع لوثر وكالفن، بل لها جذور عميقة الصلة بالإسلام، لا يستطيع أي باحث أوروبي أن يغفلها مهما قلل من شأنها، ومنها حركة تحطيم الصور والتماثيل التي اجتاحت الإمبراطورية البيزنطية في أوائل القرن الثامن الميلادي، أي بعد قرن تقريبًا من ظهور الإسلام، وممن آمن بذلك وأصدر مرسومًا عامًا الامبراطور ليو الثالث.

     أما التجريب الذي تُعزى إليه نهضة أوروبا العلمية عامة فإن باعثه هو التساؤل العقلي... ولم يكن صعود جاليليو إلى البرج وإسقاط جسمين متماثلين في الوزن إلا تدليلاً على بطلان قول أرسطو في ذلك، وارتفاع التجربة الحسية على الفكر المجرد.

     ومن هنا فإن الفكر الإسلامي، والسني بخاصة الذي رفض فكر أرسطو رفضًا مطلقًا، ودعا ــ وفقًا لصريح القرآن الكريم ــ إلى نبذ تقليد السالفين، والتأمل في ملكوت السماوات والأرض، والنظر في آيات الله الآفاقية والنفسية، هو أصل تقدم الإنسانية الحالي كلها، وما فعله جاليليو بالنسبة لحركة الأجرام السماوية ما هو إلا جزء من الأثر الإسلامي السنّي الذي شمل العالم، وصرع المنطق الصوري الإغريقي في الشرق قبل أن تتـخلص أوروبا منه بعدة قرون...».بتصرف من: مقدمة في تطور الفكر الغربي والحداثة، د. سفر الحوالي (ص1ــ 9).

     وقال الدكتور علي محمد الصلابي مبينًا الآثار الحسنة لدعوة المسلمين للمسيحيين في عصر الحروب الصليبية وتطور المسيحية الحضاري بسبب احتكاكهم بأهل الإسلام: «فمن آثار ذلك:

     1ــ دخول أعداد كبيرة من النصارى في الإسلام، ومنهم القواد والساسة والقساوسة والعامة... وذكر أمثلة كثيرة.

     2ــ تأثر النصارى بعادات المسلمين وأخلاقهم وتقاليدهم، ومن أمثلة ذلك ما يتعلق باللباس، وقد اشتكى أحد قساوسة عكّا في رسائله للبابا من تشبه المسيحيين بالمسلمين في زيّهم، وفي طريقة حياتهم، ومن ذلك تقليد المسيحيات للمسلمات في الحجاب والاحتشام والوقار.

     واستفاد المسيحيون من المسلمين العناية بالنظافة، وقد كانت غير ذات أهمية لهم قبل اختلاطهم بالمسلمين، وذكر توماس أرنولد عن بعض مؤرخي حروب أوروبا الصليبية: «وكان الصليبيون يعيشون كالحيوانات، ولا يغسلون أبدانهم ولا ثيابهم التي لا ينزعونها إلا إذا تمزقت» وبعد اختلاطهم بالمسلمين اكتسبوا عادات النظافة الحميدة، فتردد الكثير منهم على الحمامات العامة في الشام ومصر، حتى الرهبان والراهبات الذين يعتكفون في كنائسهم وأديرتهم، مما جعل أحد مقدميهم واسمه جاك دوفتري يحتج على خروج الراهبات من الأديرة مخالفات بذلك تعاليم شريعتهن! وقد ساق أسامة بن منقذ نماذج من استغرابهم اهتمام المسلمين بالنظافة، ومحاولتهم التشبه بهم في ذلك، وترددهم على الحمامات العامة للرجال والنساء لهذا الغرض.

     ومن العادات الحميدة التي اكتسبوها من المسلمين الغيرة على النساء، وقد كانت هذه الغيرة شبه مفقودة لديهم، قال أسامة بن منقذ واصفًا مشاهداته: «ليس عندهم شيء من الغيرة والنخوة، يكون الرجل منهم يمشي هو وامرأته، يلقاه رجل آخر يأخذ المرأة ويعتزل بها، ويتحدث معًا والزوج واقف ينتظر فراغهما من الحديث، فإذا طوّلت عليه مضى وتركهما» وقد زادت نسبة الغيرة والنخوة لديهم في الجيل الثاني لهم بعد ولادتهم بين المسلمين.

     ومنهم من تشبه بالمسلمين حتى في الطعام، فترك أكل الخنزير مثلاً.

     ومن أهم ما اكتسبوه من المسلمين حسن التعامل ولين الطباع، وقد لاحظ أسامة بن منقذ ذلك في مقارنته بين الجدد والقدامى، فقال: «فكل من هو قريب العهد بالبلاد الإفرنجية أجفى أخلاقًا من الذين عاشروا المسلمين».

     كذلك تأثروا بهم في الزواج، فكثير منهم تزوج بأكثر من واحدة، كذلك تعلموا اللغة العربية، وهذه الأحوال في الشام صار مثلها في الأندلس، فرفع المسلمون من القيمة الحضارية للفرد المسيحي».

     وقال الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني رحمه الله في كتابه (كواشف زيوف) (ص40): «لقد صرخ علماء الغرب في قومهم بوجوب تعلم لغة العرب حتى ينبغوا، وقد أثارت الغيرة بتراك فقال لقومه: «أنتم تتوهمون أنه لن ينبغ أحد بعد العرب! نحن ضاهينا اليونان والأمم، وسبقناهم في بعض الأحيان، وأنتم تقولون الآن: إننا لن نضاهي العرب!».

     ثم أورد وثيقة تاريخية شاهدة على سبق المسلمين العلمي للغرب، ورغبة الغرب في اقتباس العلم منهم، وهي رسالة من جورج الثاني ملك إنجلترا والغال والسويد والنرويج إلى هشام الثالث الخليفة الأندلسي المسلم، ونص الوثيقة: «بعد التعظيم والتوقير قد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج من هذه الفضائل، لتكون بداية حسنة في اقتفاء آثاركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يسودها الجهل من أركانها الأربعة، ولقد وضعنا ابنة شقيقتنا الأميرة دوبانت على رأس بعثة من بنات أشراف إنكلترا لتتشرف بثلم أهداب العرش، والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وحماية الحاشية الكريمة. من خادمكم المطيع جورج. م. أ».

     وفي كتاب (محاضرات من تاريخ العلوم) تأليف الدكتور فؤاد سزكين، ما مضمونه: «إن شبرجس أثبت بالأدلة أن الجامعات التي نشأت فجأة في أوروبا منذ القرن الثالث عشر الميلاد قد كانت كلها تقليدًا مطلقًا للجامعات الإسلامية».

     وانظر كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب) تأليف زينغريد هونكة، فقد ذكرت في كتابها الفريد شهادات ومشاهدات للأثر الإسلامي النبيل والمد المحمدي الأصيل وأثره على قيام الحضارة الأوروبية الجديدة، سواء في العلم والفكر أو الصناعات والتجريب والطب والهندسة والفلك وغيرها.

     قال روجر بيكون: «من أراد أن يتعلم فليتعلم العربية» مذاهب فكرية (ص71).

     ولك أن تتأمل الفروق بين الحضارات الإنسانية المختلفة في إمبراطورياتها الواسعة عبر الزمان الطويل، سواء في عهد الفينيقيين أو الإغريق أو الرومان أو التتر أو الهند أو الصين ثم قارن ذلك كله بالحضارة الإسلامية التي امتدت كمًّا وكيفًا، فكمًّا قد رفرفت راياتها المنصورة وامتد سلطانها الواسع على ثلثي العالم آنذاك، أي ما يعادل مساحة سطح القمر، فمن الجنوب كان ساحلها بحر العرب والبحر الهندي، وشمالاً آسيا الصغرى وشرق أوروبا، وغربًا المحيط الأطلنطي (الأطلسي) الذي وقفت خيل المسلمين على ساحله وتقدم قائدهم خائضًا المحيط بقوائم فرسه قائلاً: «والله لو أعلم أن أحدًا خلف هذا البحر لخضته إليه حتى يصل إليه الإسلام»، وشرقًا حتى سور الصين العظيم، ولما علم إمبراطور الصين عن قَسَمِ أمير المسلمين أن يطأ بقدمه أرض الصين، أرسل إليه بطبق ذهب قد ملأه من تراب الصين وكتب إليه: «أوف بقسمك وطأ على هذا التراب فهو من أرض الصين» وطلب المصالحة والمسالمة.

     ولما رأى هارون الرشيد سحابة مارة خاطبها قائلاً بثقة: «أمطري أنّى شئتي فسيأتيني خراجك» وهو صاحب الرد الحاسم على نقفور ملك الروم حين أرسل له هذا الأخير رسالة ليبطل فيها أمر ملكته السابقة بدفع الجزية للمسلمين، فكان رد هارون الرشيد: «من أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما ترى لا ما تسمع!» ثم سيّر جيشًا أوله عند الروم وآخره عنده، ولما صاحت المرأة المسلمة في عمورية: وامعتصماه! بعد إذلالها من المسيحيين، أجاب أمير المؤمنين المعتصم نداءها بجيش جرار سحق به من تعدى عليها وعلى كرامتها، بل حتى في الخلافات بين المسلمين تكون المظلة لهم هي الإسلام، فحينما اختلف علي ومعاوية رضي الله عنهما، أراد ملك الروم أن يزحف على أطراف الشام، فرد عليه معاوية رضي الله عنه برد زلزلة، وفيه: «والله لئن لم تندفع عنا لأصطلحن مع ابن عمي ثم لنغزونك إلى مخدعك» فطارت وساوس الرومي، وقبلها قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما بلغته جحافل الروم في اليرموك التي فاقت (240.000) ووقفت أمام جيش السلمين الذي لم يتجاوز (27.000) ــ أى أن الروم يفوقون المسلمين بتسعة أضعاف ــ فقال كلمته المشهورة: والله لأشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد، فولاه على المسلمين الصادقين فنصر الله عباده وأولياءه ففتح الله بتلك الأيدي المؤمنة الطاهرة المتوضئة المصليّة العابدة القانتة بلاد الشام، وعاد التوحيد لبلد الأنبياء ومهاجر الخليل عليهم السلام بعد أن غاب عنها قرونًا على أيدي رهبان الليل وأسد النهار رضي الله عنهم.

     وانظر إلى أوروبا الشرقية والغربية والجنوبية واستذكر حوادث تلك السنين حين فتح الإسلام شرق أوروبا وبعض وسطها وحاصرت الجيوش المسلمة فيينا، وأقبلت على باريس، وفتحت إيطاليا مع جميع جزر البحر المتوسط.

     هذا وكل هذا الامتداد الكمّي رافقه وسبقه ولحقه امتداد معنوي، وهو الغاية النبيلة والقصد الكريم لتلك الجيوش الفاتحة للقلوب قبل البلدان، فقد تحولت تلك الشعوب في زمن يسير لهذا الدين العظيم السماوي الخالد.

     قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها» مسلم (2889)، وكل هذا مصداق وعد الله تعالى له وللمؤمنين حيث قال سبحانه وبحمده: "كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز" [الحج: 74]، وقال سبحانه: "إنا لننصر رسلنا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد"[غافر: 51].

     شاهد المقال: أن تلك الشعوب الموفقة دخلت راغبة مختارة في الإسلام، سواء المسيحيين في الشام ومصر وأوروبا كالألبان، أو الوثنيين في أفريقا وآسيا، وما هذا إلا لقوة الإسلام المعنوية الذاتية المؤيدة من الله تعالى، وإجاباته الشافية الكافية لكل أسئلة الحيارى الباحثين عن الحق والهدى، ومناعته ضد الشبه الملقاة عليه من أعدائه، ولمّا مرّت الأمة الإسلامية بضعف في بنيتها العسكرية، واستعمرتها جيوش المغول (التتار) لم تلبث تلك الجيوش الغالبة إلا يسيرًا حتى اعتنقت هذا الدين القويم، قد بهرتهم حقائقه وإيمانياته وقوته، وانسجامه مع الروح والجسد وجمعه بين الدنيا والآخرة.

     اللهم أقم علم الجهاد, واقمع أهل الشرك والزيغ والفساد, وأبرم للأمة أمر رشد, يعز فيه أهل الطاعة, ويذل فيه أهل المعصية, ويؤمر فيه بالمعروف, وينهى فيه عن المنكر, يا سميع الدعاء. اللهم وأصلح أحوال المسلمين ديناً ودنيا وأخرى, وردهم إليك رداً جميلاً, وأسبل أمنتك وسكينتك ورحمتك ونصرك لأهلنا في سوريا وبورما وفي كل مكان, يا حي يا قيوم ياذا الجلال والإكرام يا رب العالمين. وصل اللهم وسلم وبارك وأنعم على محمد وآله وصحبه.

   

إبراهيم الدميجي

28/ 8/ 1433



حمّل مجّانًا مجموعة من الكتب في النصرانية واليهودية

 

حمل مجّانًا كتاب العقائد النصرانية في الميزان

العقائد النصرانية في الميزان  


حمل مجّانًا كتاب ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

 

حمل مجّانًا كتاب نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

 

حمل مجّانًا كتاب أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب المسجد الحرام والحج في صحف أهل الكتاب

المسجد الحرام في صحف أهل الكتاب

 

حمل مجّانًا كتاب يا سائلًا عن بني إسرائيل!

يا سائلًا عن بني إسرائيل!

 

حمل مجّانًا كتاب أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

 

حمل مجّانًا كتاب النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

 

حمل مجّانًا كتاب كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

 

حمل مجّانًا كتاب هل انتشر الإسلام بالسيف؟ 

هل انتشر الإسلام بالسيف؟

 

حمل كتاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجّانًا

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم 


 

 



السبت، 17 مارس 2012


"أَخْلَاقُ الْكَنِيْسَةِ"
(3/3)
"الْتَّرَفُ وَالْطَّمَعُ وَالْخِدَاعُ وَالْخِيَانَةُ فِي رِجَالِ الْكَنِيْسَةِ"
الحمد لله وحده, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير, أقام العالم العلوي والسفلي على العدل والإحسان, فأمر بالعدل وندب إلى الإحسان وحرّم الظلم والبغي, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:
فهذا هو المحور الثالث والأخير من ثلاثية كشف حقيقة أخلاق الكنيسة المختبئة خلف الدعاية والزور والدجل, التي بدلاً من أن تصلح حالها المزري رمت بدائها على أهل الطهر والصدق والعدل والعفاف ثم انسلّت بمكر, ولكن أبى الله إلا أن يظهر عوارها, ويكشف حقيقتها, ويفضح زيفها, فلله الحمد والمنة والفضل, وهذا المحور يسلط الضوء على جانب الترف والطمع والخداع والخيانة.
وهذه نقاط ست أضحت سمات لأولئك القوم ومع كل نقطة استشهاداتها وبراهينها حتى نختم بها نكء هذا الجرح المؤذي، والعفن المميت.
أولًا: الوثائق المزيّفة (المزورة):
بعد انحطاط شأن الروم زوّر القائمون على الكنيسة الرومانية وثيقة منسوبة للإمبراطور قسطنطين وسمّوها (هبة قسطنطين) وبناء على هذه الوثيقة فقد عيّن الملك حينئذ الأسقف الرومي (البابا) رئيسًا أعلى للمستعمرات الأوروبية حيث سلّطه على شؤونها الدينية والدنيوية(1)! .
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل زوروا وثيقة أخرى تسمى (فتاوى الإيسيدور) وتشتمل على قرارات أساقفة الروم وفتاويهم ورسائلهم، وزبدتها اعتبار الأساقفة أرفع شأنًا من أن يحاكموا على يد الحكام الدنيويين، ولاسيما الأساقفة الرومان فلهم سلطات خاصة(2) وقد لعبت هذه الوثائق بالناس إذ صدقوها بكل عفوية، ولم يعلموا أنه يُمكر بهم مكرًا بعيد المدى، وقد أدت هذه الوثائق المزيفة دورها قرونًا طويلة إذ هي تعطي أولئك الباباوات والقسس مطلق الصلاحيات الدينية والدنيوية، حتى تجرأ عليها الباحثون بعد قرون عدة، وفحصوها وأثبتوا زيفها بأدلة لا يمكن ردها وبراهين يستحيل دحضها(3) ولم يقف الأمر عند تلك الوثائق لكنها كانت فاتحة تزوير لدى الباباوات أرباب الطمع والجشع, وركّاب الخيانة والخداع على امتداد تاريخهم المروّع.
ثانيًا: حب المناصب والخداع والرشوة:
وقد وصل حب المنصب لدى بعضهم إلى الكذب على الكنيسة الشرقية كلها، ومن ذلك أن رجال الكنيسة الشرقية بالقسطنطينية كانوا يعتبرون أنفسهم مساوين لزعيم الكنيسة الرومانية في روما، وهذا ما تم الاتفاق عليه في مجمع خلقيدونة عام (451م) ولكن تقرير هذا المجمع الذي أرسله الرومان إلى فرنسا وغيرها بإشارة من البابا ليو الأول جاء فيه كذبًا: إن أساقفة القسطنطينية قد اعترفوا بزعامة الكنيسة الرومانية العالمية!.
بل قد وصل التسطيح الفكري بالناس إلى أن زور البابا ستيفان الثالث وغيره وثائق وخطابات مزيفة للملك الفرنسي ببين وابنه فيما بعد شارلمان لامتلاك الإقطاعات عن طريقها، وقد ورد في الخطاب المزوّر: «إن الذي أرسلها وخطها وكتبها هو الرسول القديس بطرس الذي كتبه من الجنة للملك»(4)! وقد استطاع ذلك البابا المخادع بهذه الحيلة الدنيئة أن يستولي على ثلاث وعشرين مدينة إيطالية مع قراها.
واستمر مسلسل الخداع والتدليس، فكان البابا في البداية وارثًا لبطرس، ثم تطور به الطمع ليكون نائبًا عن المسيح، ثم لم يقف عند هذا الحد بل تجرأ على عتبة الربوبية فصار يشرّع ويحرم ويحلل حسب هواه!.
وبناء على هاتين السلطتين الدينية والدنيوية فقد حكم الباباوات الأقوياء على رقاب الملوك، فقد عزل البابا جريجوري السابع (1073م) الملك الألماني هنري الرابع عن الملك لأنه حاول الخروج قليلاً عن طاعته، وأصدر بحقه حرمانًا كنسيًا، فاضطر ذلك الملك أن يذهب إليه حافيًا ماشيًا على قدميه في جبال الألب في ثلوج الشتاء، مسافرًا إلى البابا الذي كان في قلعة مرتفعات كانوسا في تسكانيا، طالبًا العفو، لابسًا ثياب الرهبان، متدثرًا بالخيش، حاسر الرأس، حاملاً عكازه، واقفًا ثلاثة أيام تحت عتبة قلعة البابا، معلنًا توبته وندمه، حتى منّ عليه بالعفو(5)! كذلك أجبر البابا أنوسنت الثالث (1198م) ملك إنجلترا أن يسلم إكليله لممثله، ثم يعلن اتّباعه له، حتى يسترد إكليله مرة أخرى! كذلك فقد طال الحرمان الكنسي الملك فردريك كذلك الملك هنري الثاني الإنجليزي، كما تعرض له رجال الدين المخالفين للكنيسة العامة من آريوس حتى مارتن لوثر، كذلك العلماء والباحثين المخالفين لخرافات الكنيسة من برونو إلى آرنست رينان، أما الحرمان الجماعي فقد تعرض له البريطانيون عندما حرم البابا الملك يوحنا وحرم أمته معه!.
أما الحصول على المنصب عن طريق الرشوة فكثير جدًا، ومن الأمثلة الشهيرة الباب جون التاسع عشر (1024م) وبيندكت التاسع (1047م) والباب ذو السمعة السيئة الإسكندر السادس وغيرهم كثير(6).
والمفارقة أنه قد في عام (1417م) حصل انشقاق كبير نتيجة انتـخاب باباوين وثارت حرب كلامية بين الباباوين، وتبادلا السب واللعن والحرمان الكنسي! فتحيّر المسيحيون السذج ــ بطبيعة الحال ــ في هذه النازلة، ومن هو يا ترى المؤيد منهما بالروح القدس المعصوم من الخطأ؟ فالضدان لا يجتمعان!.
بل حتى الحروب الصليبية (المقدسة!) كان غرضها المادّة وحبّ الدنيا والعلو في الأرض. قال المؤرخ المسيحي أرنولد ميلر عن الحرب الصليبية: «فاقترح الشيطان حربًا لتـخليص قبر المسيح من يد الأتراك (المسلمين) وأخذ البابا يطبّل ويزمّر لهذه الفكرة، وكان غرض البابا أوربان هو إضعاف ملوك أوروبا حتى تتسنى له السيادة عليهم، وهذا ليس بغريب، فالبابوية في جوهرها ملحدة! فنادى أوربان: اذبحوا الكفار بلا حنو ولا رحمة... وفي مجمع كليرمونت اجتمع (200) أسقف و(400) قسيس واعتلى البابا أوربان المنبر يدعوهم لتـخليص الأرض المقدسة من شعب أولاد الجارية المصرية(7)... وختم خطبته بأن أعطى غفرانًا لجميع الخطايا من قتل وزنى وسرقة بدون توبة لكل من يحمل السلاح، ووعد بالحياة الأبدية لكل صليبي يذهب... وفي بيت المقدس لم يرحم الصليبيون شيخًا ولا امرأة ولا طفلاً، وقتلوا في هذه المجزرة (70.000) مسلم، وأحرقوا اليهود في معبدهم...»(8).
ثالثًا: الطمع وحب الدنيا، والانغماس في الترف:
فقد انتشر القمار وأكل أموال الناس بالباطل بين الكرادلة ورجال الدين، ولم يكن بمقدور البابا منعهم لأنه شريكهم في النهب! فهذا البابا أنوسنت الثامن لم يكتف بمديرين أو ثلاثة لمكتبه، بل قد عيّن ستة وعشرين مديرًا بعد أن باعهم هذه المناصب بالأموال الطائلة!.
والعجب أن منصب الباباوية ذاته قد تعرّض للبيع من قبل البابا بيندكت التاسع لما أراد الزواج بحبيبته فباعه بمبلغ طائل لأحد أفراد أسرته، لكنه لم يلبث أن عاد إليه حين لم يتمكن من الزواج.
أما البابا جون التاسع عشر فقد وافق على تنصيب أسقف القسطنطينية أسقفًا عالميًا نظير مبلغ طائل، ومن مشاهير الباباوات الذين باعوا المناصب الدينية البابا الإسكندر السادس والبابا بونيفاس التاسع.
هذا وقد انغمس رجال الدين في اللهو والحفلات والصيد والقمار حتى صارت روما شهيرة بالترف بدلاً من أن تكون شهرتها بالصلاح والبر، وقد كان لكل كاردينال مئات الخدم بثياب الحرير، وكان عندهم ولع بالبذخ الفاحش في الحفلات.
ولتمويل هذا الترف فقد اخترع الباباوات وأعوانهم طرقًا أخرى سوى الضرائب والكفارات وبيع المناصب الكنسية لامتصاص أموال الناس، فمن ذلك البيان المدهش العجيب الذي أصدره البابا جرجوري الأعظم (1590م)(9) وفيه: «إن نهاية الدنيا قد حانت، وأموالكم أيها الأغنياء لن تنتقل للأجيال القادمة، لذا أنصحكم أن تبيعوا إرثكم للكنيسة بأسعار رخيصة (والكنيسة تعني البابا نفسه)» وقد نجحت حيلته الدنيئة فانطلت على كثير من الدهماء والرعاع حتى أصبح هذا البابا الكذوب هو أغنى إنسان في أوروبا وأكثرهم ملكًا للعبيد.
أما بيع صكوك الغفران فهي التي أضحكت عليهم شعوب العالم حيث وضعوا غرامات معينة للذنوب بمختلف مراتبها ويستحق الغفران من دفع الغرامة استحق الغفران، ثم تطور الأمر إلى بيع الجنة على شكل صكوك إقطاعية!
أما أراضي الناس فاغتصبوها كما اغتصبوا رقاب أهلها ففي ما يسمى بعصور الظلام الأوروبية (451 ــ 1453م)(10) فقد رزحت أوروبا عشرة قرون تحت ما يسمى بالإقطاع وهو أن الأراضي الزراعية التي يملكها الملوك والسادة ورجال الكهنوت الذين تلقبوا بالنبلاء من باب التشريف، ويعمل في هذه الأراضي عبيد يُباعون مع الأرض ويُشترون! ويعملون على ملء بطونهم فقط بلا أجر، ولا يخرجون عن أمر صاحب الأرض، مع حق المالك في ضربهم وقتلهم ولا يجوز سؤاله عن ذلك! ولو أراد أحدهم أن يتزوج بكرًا فلابد للمالك أن يواقعها قبله حتى تحل من بعده للعبد!
وبالجملة فأبرز الطغيان الكنسي المالي يتجسد في سبعة أمور:
1ـ بيع صكوك الغفران.
بيع المناصب الكنسية.
الأملاك الإقطاعية، وقد كان أكبر إقطاع في أوروبا من نصيب الكنيسة(11)، وفي القرن الثالث عشر قدرت ثروة رجال الدين فوجدوا أن ثلث أراضي ألمانيا وثلث أراضي إنجلترا ملك للكنيسة(12)!.
وفي عام (1250م) كان دخل البابا أكثر من دخل ملوك أوروبا كلهم! بينما الأموال التي جمعت من إنجلترا فقط تزيد ثلاث مرات على دخل ملك إنجلترا، أما ألمانيا فنصف ثروتها ملك للكنيسة(13).
الأوقاف الخاصة بالكنائس حيث أنها تستولي على الأرض ثم توقفها على نفسها(14).
الضرائب الباهظة على الناس: ومن أمثلتها: ضريبة السنة الأولى وهي مجموع الأموال التي حصل عليها الموظف سواءً كانت وظيفة دينية أو إقطاعية فيسلمها للكنيسة(15).
العشور: فيدفع كل تابع للكنيسة عشر دخله لها سواء من تجارته أو ثمرة غلة أرضه أو حرفته أو غيرها، كذلك الهبات التي تؤخذ بالإحراج والتوسيط وبسف الحياء والضغط الأدبي أو الروحي من القسيس الذي لا تكتب الوصية إلا بحضرته.
العمل المجاني (السُّخرة)(16): فكانت الكنيسة تفرض على رعاياها العمل يومًا واحدًا بالمجان في أراضي الكنيسة الواسعة، فبدلاً من أن يستريح العامل المكدود في اليوم السابع إذ به يعمل بلا مقابل في المملكة الكنسية(17).
لقد كان هذا الفساد المستشري في أرجاء الكنيسة الجشعة إسفينًا من الأسافين التي دقت نعش الكنيسة وعجلت انهيارها(18).
رابعًا: الخيانة ومحاباة الأقارب:
فقد كانت الإساءة في استعمال السلطات واستـخدامها في غير ما وضعت له شائعة لدى البابوات والكرادلة، ومن أمثلة ذلك:
في عام (1300م) جعل البابا بونيفاس الثامن ذلك العام عام المهرجان، وأعلن أن كل من يزور روما في هذه السنة يغفر له ويستحق صك الغفران! فاندفع الحجاج إليها وقدّموا نذورًا طائلة جدًا حتى شق على موظفي الكنيسة جمع تلك الأموال، وبيعت التذكارات الدينية المزيّفة على العامّة والرعاع فبيعت قطرات دم المسيح عليه السلام وأشياءه الخاصة وأسنان لبنه وثيابه وثياب مريم عليهما السلام وشعرها وخاتم زواجها وزجاجات كثيرة مليئة بلبنها، وخشبة الصليب، وقد بيعت هذه الأشياء المزيفة آلاف المرات بنفس المسميات، ولم يتفكروا كيف يسفّه الناس بالخيانة الرخيصة والكذب المهين(19)، قال تعالى في وصف فرعون وقومه: "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين" [الزخرف: 54] وقد فعل فرعون ذلك الزمان وقومه مثل فعل فرعون مصر وقومه(20)، ثم استعجل ذلك البابا الجشع في جمع الأموال فأسقط عن الناس الذهاب إلى روما إذا هم أعطوا مندوبيه نذورهم ونقودهم وأجرة الذهاب والعودة! قال الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله" [التوبة: 34].
وقد فعل قريبًا من هذا البابا الإسكندر السادس، أما البابا العظيم عند المسيحيين أنوست الثالث (1198م) فقد اتفق مع أم أحد الأمراء الصغار الذين لم يبلغ سن الرشد أن يكون وليًا له مقابل مبلغ ثلاثين ألف جنيه، فلما اعتدى الألمان والفرنسيون على مناطق ذلك الطفل لم يتحرك ذلك البابا، بل شجع المهاجمين بقوله: «الحلف للرضيع لا يوجب شيئًا»! ألا قاتل الله الغدر والخيانة!.
أما البابا سكتس الرابع (1471م) فقد وعد أحد الموقوفين بأنه إن سلم له بعض الأفراد المطلوبين له فإنه سيخلي سبيله ــ وتهمته إعانتهم ــ فلما سلّم له ما أراد غدر به فقتله!(21) فعقلت أمه على غدره بابنها بأن قالت: «أيها الناس انظروا إلى رأس ابني وإيمان البابا اسكتس فكلاهما قطع».
هذا ومن أوضح الأدلة على سوء استـخدام السلطة حينما تنافس الفرسان المسيحيون وملكة فرنسا بالنيابة على جائزة تسليم "جم" التركي لأخيه بايزيد العثماني مقابل خمسة وأربعين ألف جنيه سنويًا، وكان ذلك الأمير العثماني "جم" قد نزل على الفرسان لاجئًا فأسروه! فطمع البابا في تلك الغنيمة فأرضى الفرسان بأن جعل رئيسهم كاردينالاً ووعد الملكة بأن يزوجها من أحد أقاربها وقد كان هذا الزواج محرمًا في المسيحية العامة، ولكن الطمع والجشع أذابا كل القيم لديه!.
قال المؤرخ المسيحي كريتن: «لا يوجد حادث أدلّ من هذا على الوضع السيئ والمعيب لهذا العصر»(22).
أما إعطاء المناصب من أجل القرابة أو الصداقة أو المحبة فيكفيك أن تقرأ سير الباباوات ليو العاشر وأنوسنت الثامن وأربن الثامن وبونيفاس التاسع ومارتن الخامس وكيلكستوس الثالث وبيوس الثاني وجون العاشر والإسكندر السادس وهذا الأخير قد عيّن أخًا لإحدى عشيقاته بمنصب الكاردينال، فأطلق عليه الرومان لقب (الكاردينال بفضل التنورة التحتانية!).
خامسًا: الظلم والسادية والقسوة والوحشية وسفك الدماء حتى داخل بلاط الكنيسة:
والتاريخ شاهد صدق على دماء غريزة وجثث وفيرة على بلاط الكنيسة_وانظر المحور الأول_ ومن ذلك:
بعد انتـخاب البابا دماسيس (366م) رفع أسقفان شكوى للملك بأنهما رأيا مئة وستين جثة على أرض الكنيسة خلال المشاجرات الانتـخابية(23)!.
أما البابا جون الرابع عشر (983م) فقد عُزل من قبل خصومه وسجن ومات بالسم(24).
والبابا ستيفان السادس (896م) قد أخرج جثة البابا السالف له فارموسوس من القبر ووضعت الجثة على سرير البابوية، وأجريت له محاكمة، وبعدها قطعت الجثة عقابًا له، ثم سلمت للعامّة الذين جرّوها في الشوارع ثم ألقوها في البحر(25)!.
أما البابا جريجوري الخامس (996م) وهو المعدود من صالحي البابوات فقد ثار الناس عليه وعُزل، وعُيّن بدلاً عنه البابا جون السادس عشر، ولكن جريجوري عاد لحربهم وتغلّب عليهم، ثم أمر بقطع أنف جون وأذنيه ولسانه ثم فقأ عينيه ثم أُجلس على حمار وتجول به في المدينة ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل: "ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكّروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون"  [المائدة: 14].
أما الحروب التي هاجت بين أربن السادس وعدوّه البابا كليمنت السابع فهي شبيهة بالحروب الهمجية بين ملوك الدنيا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فقد قتل فيها الكثير من البشر من الرجال والنساء والأطفال، وقطعت أعضاؤهم، ونهبت أموالهم، واغتصبت النساء(26).
وللمزيد من البراهين على وحشية أولئك راجع سيرة البابوات جون الثالث عشر وبونيفاس الثامن وسكتس الرابع وجوليس الثالث الذي قال عنه المؤرخون: «كان ماهر في جميع أنواع الظلم» ثم تأمل كيف تبوءوا السيادة المطلقة في قلوب أتباعهم(27).
سادسًا: الفسق والفساد الخلقي:
ولا مزيد على ما ذكر في المحور الثالث في المقال الثاني فليراجع.
وفي الختام؛ فبعد هذه الأدلة الساطعة والبراهين الناصعة على فساد أخلاق الكنيسة؛ فعليها أن تصمت للأبد في ميدان الأخلاق والتحضر الإنساني والتمدّن الأخلاقي, فأخلاقها قد سقطت في حضيض الإسفاف والعار والسوء, وإذا أرادت أن تكذب مجدداً على الإسلام وسمو حضارته فعليها أولاً تنظيف وصَمات العار من جبينها الأخلاقي البشع! وأنّى لها! ثمّ بعد ذلك تترقى إلى أن نسمح لها بالحوار مع الإسلام, والإفادة من سموّه وحضارته, وعلى البابا أن يتعلّم من أخلاق الإسلام قبل أن ينبس ببنت شفة في نقده أو القدح فيه, ولا نقول لكل من انتقص من مقام نبي الإسلام عالماً إلا كما قالت العرب: ما ضر السحاب نباح الكلاب, أما إن كان جاهلاً فما ضرّ اليمّ إلقاء الحجر, وما ضرّ النبي الأكرم والرسول الأعظم ما فاه به الأبعد, وإن كان في سُجُفِ الغيب خير لأحد فطريق تحقيق تلك السعادة ونيل هذا الفلاح هو باتباعه وطاعته.
والحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان والقرآن والعافية, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد النبي الخاتم والرسول الأخير الذي أتى بالعهد الأخير خير من خلق الله تعالى وأكرم من اصطفى, وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه.
إبراهيم الدميجي
24/ 4 /1433
مدونة كلنا نحب المسيح عليه السلام:


حمّل مجّانًا مجموعة من الكتب في النصرانية واليهودية

 

حمل مجّانًا كتاب العقائد النصرانية في الميزان

العقائد النصرانية في الميزان  


حمل مجّانًا كتاب ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

ربحتُ محمدًا ولم أخسر المسيح عليهما الصلاة والسلام

 

حمل مجّانًا كتاب نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

نظرة فاحصة في الكتاب المقدس the holy bible

 

حمل مجّانًا كتاب أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

أشهر بشارات العهد الجديد بنبيّنا صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

سبع بشارات توراتية برسول الله صلى الله عليه وسلم

 

حمل مجّانًا كتاب المسجد الحرام والحج في صحف أهل الكتاب

المسجد الحرام في صحف أهل الكتاب

 

حمل مجّانًا كتاب يا سائلًا عن بني إسرائيل!

يا سائلًا عن بني إسرائيل!

 

حمل مجّانًا كتاب أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

أخلاق الكنيسة وأخلاق الإسلام

 

حمل مجّانًا كتاب النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

النصرانية من التوحيد إلى الوثنية

 

حمل مجّانًا كتاب كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

كشف شبه أهل الكتاب (13) شبهة

 

حمل مجّانًا كتاب هل انتشر الإسلام بالسيف؟ 

هل انتشر الإسلام بالسيف؟

 

حمل كتاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجّانًا

محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم 


 

 

.....................................
         (1)   فلم تكفهم السلطة الدينية عن إشباع نهمهم في السلطة الدنيوية بل هي الغاية للسلطتين.
         (2)   وهذا هو بيت القصيد، فقد استمرءوا هذه اللعبة سنينًا طويلة، ولم تقف أطماعهم عند حد حكام الدنيا، بل أرادوا إلغاء سلطة الطوائف الأخرى، لاسيما الأرثوذكس، وقد حصلت بين الطائفتين حروب فكرية وسلطوية ودموية بسبب أطماع الفريقين وبخاصة الكاثوليك.
        (3)   ومن أدلتهم:
1ـ لغتها اللاتينية هي لغة القرنين الثامن والتاسع، مع أن زمن هذه الوثائق الافتراضي هو القرن الثاني إلى الرابع على أقصى تقدير!.
2ـ عبارات الكتاب المقدس المضمنة فيها مأخوذة من الترجمة اللاتينية المشهورة (ولجيت) التي لم تكتب قبل (400م)!
3ـ تضمنت رسائل منسوبة إلى شخصيات قد عاشت في القرن الخامس، أي قبل وجودهم بأكثر من قرن أو قرنين من الزمان!... إلخ تلك الأدلة، والمهم عند هؤلاء أنها قد استنفذت المقصود منها, ومكنت لهؤلاء سلطة ما كانوا ليحصلوا عليها لولا الكذب الرخيص والغش والخداع.
        (4)   كان الملك الفرنسي ببين متديّن, فلعل ذلك الباب اللص قد استغل تلك الصفة فيه، وإن كنت أستبعد ذلك لأنه لن يمر بسهولة على عقلية مثل ذلك الملك، ولكن ربما كان قرارًا سياسيًا أكثر منه دينيًا؛ لأنه إن رفض مثل هذا الخطاب المباشر من القديس بطرس_الذي قد أرسله له من الجنة!_ فسيقط عند العامة ويحترق ملكة, فسلطة البابا بهذا لا نهاية لها على الملك عند الرعاع الذين يتبعون القسس ويرون عصمتهم، بل ربما قد خاف من الحرمان الكنسي نفسه، أو كانت صفقة جرت بليل، أو غير ذلك، الشاهد من هذا هو بيان مدى جشع أولئك وطمعهم البالغ واستـخفافهم بالمسيحية والمسيحيين.
        (5)   انظره على التفصيل: تاريخ أوروبا (1/260) فينشر.
       (6)   فأين ما تدعيه الكنيسة الرومانية: من أن نور الروح القدس يهدي الكرادلة في اختيار البابا؟! والواقع أن وميض الذهب والفضة هو ما يهدي الكرادلة وليس النور المزعوم.
ومن الطرائف أن البابا يونيفاس الثامن قد خطط لأن يكون هو البابا، فدبر حيلة على البابا الموجود حينها سيلتائن الخامس، فركّب أنبوبًا خفيًا في غرفة البابا سيلتائن الخامس وبدأ يرسل عن طريقها (صوتًا سماويًا مقدسًا!) يلقنه الاعتزال ويدعوه لترك المنصب، واستمر بفعل هذه الحيلة وتكرارها حتى اعتزل ذلك المخدوع ونال الماكر المنصب الذي تمنّاه! ولا عزاء للعفاف والنزاهة والصدق في ذلك الحين!.
        (7)   وهذه العبارة العنصرية مقتبسة من رسائل بولس!.
       (8)   مختصر تاريخ الكنيسة، أرنولد ميلر، ص257ــ 263. وسيأتي مزيد عن فظائعهم الصليبية في مقال لاحق إن شاء الله تعالى.
       (9)   كتابة التاريخ بعد اسم البابا يقصد بها سنة اعتلائه عرش البابوية.
       (10)   أي من سقوط روما بأيدي الجرمان إلى فتح القسطنطينية في عهد محمد الفاتح، وبهذا نفخ المسلمون روح الحضارة والمدنية ونور العلوم التجريبية في أركان القارة المظلمة العجوز.
          (11)   انظر: قصة الحضارة (14/ 425).
          (12)   قال ريكلف جين طالب بإصلاح الكنيسة: «إن الكنيسة تملك ثلث أراضي إنجلترا وتأخذ الضرائب الباهظة على الباقي» تاريخ أوروبا، فينشر (2/ 762).
          (13)   لذا فلا نعجب أ، كان الصوت المرتفع للمحتجين (البروتستانت) قد خرج من ألمانيا أكثر من غيرها، وكما قيل: الصياح على قدر الألم.
           (14)   وانظر: معالم تاريخ الإنسانية (3/895).
           (15)   تاريخ أوروبا، فينشر (2/380).
           (16)   ينظر: العلمانية، د. الحوالي، ص138ــ 143.
          (17)   مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، ص43.
         (18)   ومن أكبر الأحداث المسقطة للكنيسة الثورة الفرنسية، وقد كان من كبار منظريها جان جاك روسو وفولتير ــ وإن لم يدركاها ــ اللذان تأثرا ببعض النواحي بالإسلام، وبخاصة في نقد الكهنوت والاستبداد، ذلك أن الهدف الأساسي لتلك الثورة هو القضاء على كهنوت الكنيسة وإقطاع النبلاء، وقد انفجرت تلك الثورة في فرنسا عام (1789م) واستمرت عشرة أعوام تقريبًا، وقد ذهب عامة الناس إلى الشوارع والطرقات وقتلوا الملوك والنبلاء ومؤيديهم، ونهبوا أملاكهم وأعانهم الجيش على ذلك، وقد وضعت الثورة وثيقة حقوق الإنسان فيها: «يولد الناس أحرارًا ومتساوين في الحقوق» وقد قال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل ذلك: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!».
والعجب أن الأمة الغضبية اليهود قد خرجوا من أحيائهم "الجيتو" واستغلوا هذه الثورة لأقصى حد، فهم وإن كانوا لا ينشؤون الأحداث لكنهم يهتبلونها ويستغلونها لصالحهم، فالثورة قد قامت ضد عدوين هما رجال الكنيسة والإقطاعيين، وهما عدوا اليهود كذلك فالكنيسة تذلهم لأنهم ــ برأيها ــ قتلوا ربها، والأشراف النبلاء يختارونهم لوضاعتهم وخبثهم، لذا ركب اليهود موجة الثورة ووجهوها بكل مكر ودهاء، فحوّروا حرب الكنيسة إلى حرب الدين نفسه؛ ثم لما أقبلت الثورة الصناعية احتاجوا لأولئك العبيد (عبيد الأسياد وعبيد الأرض الإقطاعية) من أجل يدهم العاملة، ذلك أن المصانع لا تقوم إلا بهم وإلا فلن يقترض المصنّعون الأموال بالربا الفاحش من اليهود، ثم ألف دارون المسيحي كتابه في أصل الأنواع وقال بأن أصل الإنسان حيوان يتطور من طور إلى طور، فطار اليهود بتلك النظرية وتلقفوها وهدموا بها الكثير من القيم والفضائل.
وقد عمل الثلاثي اليهودي ماركس وفرويد ودوركايم على ذلك، فأشاع ماركس شيوعية المال والنساء وأن الغيرة والفضيلة إنما هي من تسلط الرجل على النساء بسبب أنهم من يجلبون المال، ولكن إن حررنا المرأة من الرجال فلها أن تهب جسدها لمن شاءت بلا قيد، وكذلك في الأموال، وما الدين عنده إلا أفيونٌ للشعوب.
أما فرويد ونظريته في التحليل النفسي وإشاعته لما اخترعه من عقدة أوديب في الميل الجنسي عند الذكر من صغره وشهوته تجاه أممه، وعقدة إلكترا بالنسبة للأنثى تجاه والدها! وأن الكبت الجنسي هو ناشئ عن خرافة الفضيلة ــ على حد زعمه ــ.
أما دور كايم فاستـخدم تلك الداروينية على أساس ما أسماه بالعقل الجمعي أي أن القيم والفضائل كذلك الشرور إنما هي من خارج الفرد لذا فعلى الفرد أن لا يتقيد بحس الضمير أو الوزاع وأن رغبات الناس هي المحددة لسلوكهم وليس الفضيلة والخلق الحسن!.
         (19)   وقد اختصر العشاء الرباني المزعوم على هؤلاء اللصوص طريقهم فمن اعتقد أنه بشربه للخمر وأكله الكعك أنه يشرب دم المسيح ويأكل لحمه فما بعده أهون!.
         (20)   أما في الإسلام فلا مجال لهذه السخافات والتفاهات، بل هناك تشديد على أمرين:
الأول: هو رفع سقف فضيلة الصدق وتحتمها على كل مؤمن وعدّ الكذب من خصال المنافقين.
الثاني: احترام عقل الإنسان وتكريمه، ونبذ الخرافة والخزعبلات فليس في الإسلام منافرة بين الإيمان والعقل والعلم, بل الانسجام والإرضاء والإشباع بشكل تكاملي؛ فالإيمان يحث على التعلم والتفكير الحر، والعلم يزيد في الإيمان، قال الله تعالى: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" [الزمر: 9]، "وقل رب زدني علماً" [طه: 114]، ثم تأمل أثر العلم على الإيمان في قوله عز وجل: "إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور" [فاطر: 28].
لذلك، فمن قاس قيمة العلم واحترامه في الكهنوت الكنسي على الشريعة الإسلامية فقد ظلم الإسلام، فالإسلام يحث على العلم ابتداء ويرتفع الناس فيه على قدر علمهم وخاصة في أمور الديانة "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" [المجادلة: 11]، والقرآن الكريم يقدح التفكر والتأمل في العقل، "قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا" [سبأ: 46].
          (21)   أما في الإسلام فالغدر معدود من المهلكات، وقد تضافرت الأدلة من القرآن والسنة على الأمر بالوفاء والنهي عن الغدر "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم"  [النحل: 91] ومن وصاياه عليه الصلاة والسلام: «لا تغدروا» مسند أحمد، ص2723. ومن الثلاثة الذين تُوعدوا بالعذاب العظيم يوم القيامة كما في الحديث القدسي الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة تبارك وتعالى: «ورجل أعطى بي ثم غدر» رواه البخاري.
وفي النفس الإنسانية نزوع إلى البطش والانتقام عند نشوة النصر لكن النبي العظيم صلى الله عليه وسلم ليس كذلك فقد قال يوم فتح مكة وهو أعظم الفتوح على الإطلاق: «اليوم يوم بر ووفاء». سيرة ابن شام (2/412. بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه. وقد ذكر أن من صفات المنافقين: «وإذا عاهد غدر» متفق عليه.
ومن تأمل الحروب الصليبية وجد الفرق الشاسع بين وفاء المسلمين وغدر المسيحيين.
         (22)   عن: المسيحية، ص351.
        (23)   ومع ذلك فما زالوا يصرون على أن الروح القدس يلهم الكاردينالات اختيار الأقرب إلى الله!.
         (24)   قد ترى بعض التكرار في بعض الفقرات في ثنايا هذا الكتاب لأهميتها مع التزامي بعدم تكرار نفس المادة بل بمعلومات جديدة ــ إلا ما ندر مما لا يحسن إغفاله ــ.
        (25)   إن كان البابا معصومًا لديهم من الذنب والخطأ فعلام ذلك! حقًا إنه دين الخرافة.
         (26)   ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب للناس أروع الأمثلة في العفو عند المقدرة، فحينما أخضع الله تعالى له رقاب عتاة أعدائه من قريش يوم فتح مكة، قام على باب الكعبة وقال لهم: «أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: "لا تثريب عليكم اليوم" [يوسف: 92] اذهبوا فأنتم الطلقاء» سيرة ابن هشام (4/54، 55).
    (27)   انظر: قصة الحضارة، ول ديورانت (14/ 352).